Corinthians، النادي الذي حارب الديكتاتورية

Corinthians، النادي الذي حارب الديكتاتورية

ليست كرة القدم "22 لاعباً يجرون خلف كرة واحدة" كما يصفها بعض المتحاملين في سبيل تسخيفها والحطّ من قيمتها. القضية أكبر من ذلك، ومتتبعو الكرة يدركون أن تاريخها حافل بشواهد تظهر الدور الكبير الذي لعبته إن سلباً وإن إيجاباً في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية، من تدخّل للزعماء في شؤونها، كما فعل أدولف هتلر يوم أجبر عدداً من اللاعبين النمساويين على تمثيل المنتخب الإلماني في مونديال 1938، إلى استخدام الجماهير المدرجات لإيصال رسائلهم السياسية كرفع الكتالونيين باستمرار لافتات تطالب بالاستقلال عن إسبانيا. لكن تبقى تجربة نادي كورينثاينز Corinthians البرازيلي المثال الأفضل لإظهار ما يمكن لكرة القدم أن تفعله.

 download

في العام 1981 وبينما كان الشعب البرازيلي يرزح تحت وطأة حكم عسكري صارم يخنق الحريات، قرّرت مجموعةٌ من لاعبي نادي كورينثاينز Corinthians إطلاق نموذج ديموقراطي خاص لتسيير شؤون ناديهم من خلال إشراك جميع اللاعبين والإداريين والطواقم الفنية والطبية في صناعة القرار داخل النادي. كانوا يلجأون إلى طريقة التصويت قبل اتخاذهم أية خطوة، بدءاً من التفاصيل الصغيرة كاختيار وسيلة التنقل للعب المباريات (حافلة، قطار...) أو إسم الفندق الذي يبيت فيه الفريق، أو أنواع الأطعمة ومواعيدها، وصولاً إلى الأمور المفصلية كاختيار اللاعبين والإداريين الجدد، وذهب بهم الجنون حدّ التصويت على المحطّة التي ستتوقف عندها حافلة الفريق للتبوّل!


عدا التصويت، كانت تُقام حلقات نقاش حول الأمور السياسية والاجتماعية في جو من الديمقراطية والحماسة وتبادل للآراء، الأمر الذي خلق مناخاً إيجابياً داخل أسوار النادي في ظاهرة فريدة لم تشهد الكرة نظيراً لها إلى اليوم.


انتهى الحكم العسكري في البرازيلي عام 1980، لكن حركة الكورينثيانزيين لم تتوقف، فقبيل موعد الانتخابات العامة في ساوباولو عام 1982، فاجأ اللاعبون الجميع عندما طبعوا على قمصانهم عبارة "Dia 15 vote" لتحفيز الجماهير على ممارسة حقهم بالاقتراع. اعترضت السلطات البرازيلية يومذاك وطالبتهم بالاهتمام بالشؤون الكروية وترك السياسة لأهلها، فكان الرد بشعار آخر "Ganhar ou perder mas com democracia" أي أنه "ليس المهم أن تفوز أو تخسر، بل المهم أن تبقى الديمقراطية". ومع ذلك، تمكّن الفريق من حيازة لقب بطولة ساوباوبو في العامين1982 و1983.

download (1)

توقفت الحركة نهائياً منتصف التسعينيات بخيارٍ من الاتحاد البرازيلي الذي أصدر قراراً يقضي بفصل الأمور السياسية عن الأمور الرياضية طاوياً بذلك صفحةً براقةً في كتاب كرة القدم وصل صداها إلى كلّ مكان.

ولكرة القدم سقراطها

ما كانت تجربة "ديموقراطية كورينثيانز" لتبصر النور بدونه، هو الشاب المثقف خريج كلية الطب ومعبود الجماهير في ساوباولو، نجم الكرة "سقراطس دي أوليفييرا" Socrates De Oliviera.

 

download (2)

شُغف سليل العائلة الفقيرة بالسياسة والفلسفة منذ صغره، كما تأثر بحركات التحرر في أميركا اللاتينية آنذاك وأعطى أحد أولاده اسم "فيديل". حين اعترضت والدته على الاسم لأنها ستحمّل الطفل مسؤولية كبيرة، أجابها: "لا تنسي أنّك أيضاً سمّيتني سقراطس".


إضافةً لكونه نجماً في الملعب، اشتهر سقراطس على الدوام بأقواله المأثورة وفلسفته التي غالباً ما انقسم حولها الرأي العام. فقد طالب مثلاً بخفض عدد اللاعبين في الملعب من أحد عشر إلى تسعة بسبب ارتفاع معدل جري اللاعب من أربعة إلى اثني عشر كيلومتراً في المباراة الواحدة، الأمر الذي ضيّق المساحات كثيراً داخل الملعب. كما آمن النجم الملقب بـ"الدكتور" و بـ"ذو الأقدام الذهبية" دائماً بأنّ الكرة والسياسة والمجتمع هي مسارات لا تنفصل، وبأن قدميه هما المذياع الذي سيوصل صوته إلى العالم بأسره، فكل هدف يسجله من شأنه أن يدفع بلاده قدماً إلى الأمام "I give my goals to a better country" أي "أهدي أهدافي لبلدٍ أفضل".


عندما تلقّى قائد منتخب البرازيل الذهبي في مونديال 1982 عرضاً سخياً للعب لمصلحة فيورنتينا Fiorentina الإيطالي، شعرت جماهير كورينثيانز بالحزن، لكنه وعدهم أثناء مشاركته في تحرك سياسي معارض، وأمام أكثر من مليون متظاهر، أنه سيبقى في البرازيل فيما لو أجريت الانتخابات الرئاسية في موعدها. ولأن ذلك لم يتحقق، انتقل إلى اللعب في إيطاليا. لم تستهوه حياة الرفاهية هناك كما انزعج من القوانين الصارمة في التدريبات والأنظمة الغذائية. عندما سأله أحد الصحافيين في إيطاليا إن كان يفضّل مازولّا Mazzola أو ريفيره Rivera نجمي إنتر Inter وميلان AC Milan أجابه: لم أسمع بهما من قبل، لقد جئت إلى هنا لقراءة انطونيو غرامشي Gramsci (مفكّر إيطالي ماركسي) بلغته الأم ولأتعرّف على نضالات العمال الإيطاليين. لم يصمد سقراطس المولع بالسجائر والكحول أكثر من سنة واحدة في إيطاليا، عاد بعدها إلى البرازيل.

في ديسمبر 2011، تعرّض ابن السابعة والخمسين لتسمّم معويّ أدخله في غيبوبة فارق الحياة بعدها بأيام. احتشدت جماهير كورينثيانز في الملعب للاحتفال باللقب ولتوجيه تحية وداع لقائدهم الملهم، رفع الجميع قبضات أيديهم اليسرى محاكةً لطريقته الشهيرة بالاحتفال، كانت المشاعر مختلطة، لم يجد معلّق المباراة جملة تصف المشهد أفضل من مقولة سابقة لسقراطس نفسه: "كان يوماً حزيناً مفرحاً جداً".


انطلق منذ أيام مونديال البرازيل2014 . يسجّل لسقراط أنه كان أول من عارض استضافة المونديال  قبل حوالي 10 سنوات، ففقراء البرازيل، في رأيه،  أولى بالأموال التي ستنفق على المنشآت الكروية. الأصوات المعارضة للمونديال اليوم باتت تسمع في جميع أنحاء البلاد.


التعليقات

المقال التالي