المجاهدون في سوريا، لماذا يذهبون أساسا ولماذا يعودون؟

المجاهدون في سوريا، لماذا يذهبون أساسا ولماذا يعودون؟

“أقصر طريق إلى الجنّة هو أن تفجّر نفسك وتقتل الكفّار، هكذا تجتذب داعش والنصرة الشباب وغالبيتهم من السعوديين وتكلفهم بالعمليّات الانتحارية”. هذا ما قاله سلمان الفيفي أحد العائدين من سوريا نادماً تائباً على "جهاده" في صفوف جبهة النصرة.



يقول سلمان إن أحد أهم الأسباب التي دفعته لترك سوريا والعودة هو ما رآه من تقاتل سعوديين بعضهم مع بعض في الحرب الداخلية بين جماعات معارضة. وهو واحد من مقاتلين كثر بدأوا بالعودة إلى المملكة السعودية التي استشعرت خطرهم على أمنها الداخلي وأصدرت نتيجة ذلك قانوناً يجرم القتال ضمن صفوف الجماعات المصنفة كجماعات إرهابية ويعاقب بالحبس من ثلاث سنوات إلى عشرين سنة على من تثبت عليه التهمة.


وبرغم أن هذا القرار جاء متأخراً بعض الشيء، تبقى دلالته واضحة في الاشارة لمدى خوف المملكة من ارتداد الشحنة الجهادية إلى حدودها.

السؤال المهم هنا هو : لماذا ذهبوا أساساً؟ ولماذا عادوا؟

هل تكفي كلمات عائمة عن الجنّة ونعيمها لتقنع شباباَ في مقتبل العمر أن يتركوا عوائلهم وطموحاتهم في المستقبل ويذهبوا في رحلة ضبابية مع متطرفين استباحوا دماء الآخرين باسم الدين.


هل أصبحت المناعة الفكرية لدى الأجيال الشابة ضعيفة إلى هذا الحد. آلاف الشباب العرب من سعوديين وتونسيين وليبيين وغيرهم يقاتلون مع المتطرفين في النصرة وداعش وغيرهما. لا يقتصر التساؤل على من جاؤوا من بيئات عربية محافظة يرتع فيها مشايخ التكفير، بل يمتد إلى شباب عرب أو مسلمين جاؤوا من دول غربية وبدأوا يشكلون خطراً حقيقياً يتهدّد تلك البلدان حين عودتهم.


تقول التقديرات إن قرابة عشرة آلاف سعودي يقاتلون في سوريا في صفوف الجماعات الاسلامية المتطرفة، قُتل منهم نحو ثلاثة آلاف فيما يُعد ألفان منهم في عداد المفقودين. تبيّن  هذه الأعداد مدى خطورة الوضع الذي قد ينشأ حال عودة هؤلاء المشبعين بفكر التكفير والمدربين على استعمال السلاح إلى بلدهم.


الحل الأمني الذي اتبعته السعودية والدول الغربية في تعقب مواطنيها المقاتلين في سوريا قد يصلح لدرء الخطر آنياً، لكن العلاج الجذري لا بد له أن يمتدّ إلى الجذور ليقتلع هذه الظاهرة قبل أن تستفحل. بعض ما يمكن رصده من أسباب يكمن في ما يلي:

التصحّر الفكري

في المجتمعات المغلقة يصبح من الصعب على الفرد أن يتقبل الآخر، تتحوّل وجهة النظر التي  يتشرّبها الإنسان منذ طفولته حقيقة مطلقة، وأي وجهة نظر أخرى هي خطأ وبدعة لا بد من اجتثاثهما. كراهية المخالف هي حب في الله، حين يتعلم إنسان ما هذه الأفكار منذ طفولته يصعب عليه في المستقبل أن يتعلم تقبل المخالف له. ويصبح من السهل أن تُستثار مشاعر الرفض والكراهية عنده. ينطبق هذا ليس على بعض مجتمعاتنا العربية فقط، ولكن حتى على المجتمعات المغلقة الصغيرة التي ينتشر فيها الفكر المتطرف في الغرب، والتي بدأت تصدّر الشباب إلى ساحة "الجهاد" في سوريا. معظم من يغادر الدول الغربية للقتال في سوريا هم إما صغار في العمر ظنوا أنهم وجدوا هدفاً مقدساً يعطي معنى لحياتهم، أو شباب انغلقوا على أنفسهم في الغرب وانسحبوا من ساحة المجتمع الرحبة إلى أقبية التكفير.

تسييس المقدس

حدث هذا بأوسع وأوضح صورة في الحرب ضد الغزو السوفياتي لأفغانستان. نعود الآن لنرى إقحام الدين في السياسة برغم ما أثبتته الأيام من كونه سلاحاً ذا حدّين. فبن لادن الذي بدأ مجاهداً في أفغانستان أعاد توجيه شحنة جهاده إلى داخل بلاده وخلق مشاكل أمنية وسياسية مستعصية لا لبلده فقط ولكن لكل العرب والمسلمين. تحت الشعار الديني تتم تعبئة الرأي العام لأغراض سياسية تتعلق بصراعات النفوذ في المنطقة. بهذا اكتسب الصراع في سوريا شحنة دينية مقدسة تلهب المشاعر وتقود الشباب إلى الاندفاع للذود عن الدين والمذهب. لكن الدول العربية، والخليجية تحديداً، بدأت تدرك كيف يمكن لهذه الشحنات أن ترتد إلى الداخل، وكيف أن تسييس المقدس نار تحرق الجميع، وليس طلقة قناص تعرف طريقها ضد العدو.

اختطاف الإسلام

يلعب الدين في الحياة العربية دوراً مركزياً لا يمكن تجاهله. ومع تطور وسائل الاتصال تكثفت المواد الدينية على القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي. هذه السهولة في بث هذه المواد كان لها أثر سلبي في فتح المجال أمام دعاة التكفير ممن قصرت رؤاهم عن فهم الحياة المعاصرة وأغلقوا ابواب تفكيرهم على مفاهيم القرون الوسطى. وبتعبير الداعية المعروف الدكتور عدنان إبراهيم، يبث هؤلاء ليل نهار ما سمّاه "فقه الإجرام". فمن خلال رسائل الكراهية ونبذ الآخر وتكفيره اختطف هؤلاء الدعاة هذه الرسالة السماوية وأحالوها إلى أيديولوجية تسيل دماء المعارضين.

 

اللافت أن دعاة الاعتدال لا يمتلكون متابعين بقدر ما يمتلكه المتشددون. فالدكتور عدنان إبراهيم مثلا يمتلك 142 ألف متابع على تويتر، فيما يمتلك الشيخ عدنان العرعور مليوناً وسبعمئة ألف.


الضخّ الديني الكاره للآخر، مضافاً إليه الفراغ الفكري والشحن الإعلامي الموجّه وتصوير الحرب على أنها جهاد سنيّ/ علوي- شيعي، إضافة إلى ضعف الرقابة العائلية والمجتمعية، وغضّ النظر الأولي من أجهزة الأمن تحت تصور أن ما يحدث مرحليّ، وغياب التقدير السليم لعواقبه أسهم بشكل كبير في توجيه هؤلاء الشباب هذه الوجهة الخاطئة. إن  حديث داعية معروف له 9 ملايين متابع على تويتر عن أن خيولاً بيضاء تركبها الملائكة تقاتل مع "المجاهدين" في سوريا، يستوجب وقفة.


السلطات الدينية السعودية ممثلة بالمفتي عبد العزيز آل الشيخ أعلنت تأييدها لقرار الملك عبد الله بمنع السعوديين من القتال في الخارج معتبرة أن هؤلاء الشباب قد غُرّر بهم. وهذا الموقف يتسق مع ما يقوم به المشايخ في مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية والذي يهدف إلى إعادة تأهيل الجهاديين. لكن اللافت أن من يقوم بإعطاء المحاضرات يؤمن بفضائل الجهاد أيضاً غير أنه يضعه في يد ولي الأمر.


ربما تشهد الأيام المقبلة توجّهاً أكبر نحو محاصرة هذه الظاهرة بعد بروز كل هذه المخاوف الجدية من امتداد النيران التي اشتعلت في سوريا إلى دول أخرى في المنطقة. النيران نفسها التي اكتوى بها العراق ولا يزال، أثبتت أنه ما إن يخرج مارد النزاع الطائفي والتكفيري من قمقمه حتى يصبح  من الصعوبة بمكان أن يأمن أحد على نفسه، حتى من سمح للمارد بالخروج.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي