لا للسجائر الإلكترونية في الخليج

لا للسجائر الإلكترونية في الخليج

حالما استعدّ الزبون لأخذ بعض "المجّات" من سيجارته الإلكترونية في أحد مطاعم دبي، طلبت منه النادلة التوقّف عن التدخين. "ولكن هذه ليست سيجارة عادية بل إلكترونية، لا تُخرج الدخان بل البخار"، ردّ الزبون مغتاظاً. فأجابته النادلة في شيء من الحيرة: "لا أعرف ما هي هذه الآلة ولا أدري شيئاً عنها إلا أنني أعرف أنها ممنوعة في المطعم". حيرة لا تتملّك العاملة في ذاك المطعم فقط بل العديد من الأفراد والمؤسسات والجمعيات والحكومات في ما يتعلّق بالموقف الذي يجب اعتماده إزاء السيجارة الإلكترونية التي ظهرت عام 2004 في الصين وتم تسويقها في غالبية البلدان.

إلا أن دول مجلس التعاون الخليجي حسمت الأمر خلال انعقاد مؤتمر وزراء الصحة لدول مجلس التعاون الخليجي في الدوحة قطر في فبراير 2011 بفضل إصدار قرار ينصّ على "ضرورة الحظر الكلّي لتداول السيجارة الإلكترونية في دول مجلس التعاون وذلك تماشياً مع توجيهات منظمة الصحة العالمية والدراسات الحديثة بشأن هذا المنتج".

أكدت الدكتورة وداد الميدور، رئيسة البرنامج الوطني لمكافحة التبغ في الامارات، أن الاتفاق لحظر السجائر الإلكترونية في دول الخليج نُفّذ تبعاً لقرارات خاصة اتّخذتها أغلب الدول المعنية. فتذكر، على سبيل المثال، الكويت (نوفمبر 2012)  والبحرين (مايو 2013) حيث طُلب من الجمارك تنفيذ قرار حظر استيراد واستعمال هذه السجائر.

في الإمارات، صدر قرار عن الأمانة العامة للبلديات (2009) لحظر تداول السجائر الإلكترونية بالإضافة إلى غرامة مقدارها نحو 1400 دولار لكل من يخالف قرار الحظر. هذا القرار لا ينصّ على حظر استيراد هذه الأدوات ولا يفرض على الجمارك توقيف الشحنات، ولكن المادة 2 من القانون 15 لعام 2009  تنصّ على "حظر إدخال أنواع التبغ الذي لا يتوافق مع المواصفات القياسية التي تضعها الإمارات." أي أن "هذه السجائر لا يمكن إدخالها إلى الإمارات كونها لا تتمتّع بالمواصفات المطلوبة ولا تملك شهادة من هيئة المواصفات"، بحسب الميدور.

وعلى الرغم من حظر السجائر الإلكترونية (التي كانت تراوح أسعارها بين 120 و160 دولار)، فبإمكان الزبائن شراؤها على المواقع الإلكترونية حيث عملية ضبطها في منتهى الصعوبة. وهي متوفرة بطريقة غير شرعية في بعض المراكز التجارية في دبي. تقول الميدور: "طبعاً، هناك طرق غير شرعية لبيع هذه السجائر. وهذه مسؤولية الجهات الخاصة. فوزارة الصحة تضع السياسات والخطط ولكن التنفيذ ليس في يدها".

دعت الميدور الجهات المعنية الأخرى كالدوائر الاقتصادية والجمارك ومؤسسة حماية المستهلك إلى "العمل في هذا المجال حتى إصدار قرار من مجلس الوزراء أو من مؤسسة قيادية يقضي بمراقبة طريقة تداول هذا المنتج".

ولكن، لماذا هذه الضجة حول السجائر الإلكترونية؟

بحسب الميدور: "هناك توجّه كبير لحظر الأدوات التي تقدّم النيكوتين أو ما يشبه النيكوتين لأنه حتى الآن لم تثبت مأمونيتها ولم تثبت آخر تقارير إدارة الأغذية والدواء الأميركية FDA أن هذه السجائر خالية من أي مواد ضارة.  يجب أن نكون حذرين جداً لأن الكثير من الشركات تصنّعها وتُدخل إليها موادَّ خطرة".

على الرغم من ذلك، يعتبر البعض أن السيجارة الإلكترونية وسلية تساعد على الإقلاع عن التدخين لاسيّما أن المدخّن لا يضطرّ إلى التوقف عن حركة اليد إلى الفم أو الانقطاع كلّياً عن النيكوتين الذي هو من مكوّنات الإدمان. ويعمل هذا الجهاز الإلكتروني بالبطارية ليوفّر جرعات مستنشقة من النيكوتين ولكن من دون العناصر الكيميائية الـ4800 عنصر من الكيماويات التي تحويها السجائر العادية ومن بينها التبغ والقطران وأول أكسيد الكاربون.

download (3)

إلا أن أياً من الدراسات لم تثبت قدرة هذه السجائر على المساعدة في الاقلاع عن التدخين. لذا تقول المدوير: "لماذا أعرّضهم إلى منتج جديد عوضاً عن الأدوية المتوفرة منذ أكثر من عشر سنوات"، بالإشارة إلى العلكة أو لصقات النيكوتين. لا بل على العكس، تعتبر المدوير، على غرار كثير من العلماء والأختصاصيين، أن هذه السجائر "تشجّع على استخدام التبغ لاسيما أن كمية النيكوتين التي تُستنشق غير محددة وأنها تشكّل مادة إدمان خصوصاً لدى الشباب والصغار في السن. فهؤلاء قد تجذبهم النكهات التي تحتويها أغلبية السجائر الإلكترونية كنكهة الفاكهة والحلوى". حتى أنها تذهب أبعد من ذلك وتتخوّف من أن يستخدمها تجار المخدرات كوسيلة للترويج لمنتجاتهم.

في دراسة أجراها مركز مكافحة الأمراض والوقاية، تبيّن أن استعمال الطلاب للسجائر الإلكترونية تزايد من 3،1% إلى 6،8% أي إلى ما يقارب 1،78 مليون طالب بين فترة 2011 و2012 في الولايات المتحدة وأن 9،3% منهم لم يجرّبوا يوماً السجائر التقليدية.

بالإضافة إلى ذلك، تتزايد المخاوف من المواد السامّة الموجودة في السجائر الإلكترونية. ففي عام 2009، وجدت إدارة الأغذية والدواء الأمريكية مادة جليكول الاثيلين diethylene glycol، وهي مادة كيميائية سامة مضادة للتجميد في بعض عيّنات السجائر الإلكترونية في حين أنها وجدت موادَّ مسببة للسرطان تسمّى النتروزامينات nitrosamines في عيّنات أخرى. هنالك كذلك تساؤلات عدة حيال "بخار" السجائر الإلكترونية لاسيما في ما يتعلّق ببعض المواد التي يتضمنها كالفورمالديهايد formaldehyde والجزيئات المعدنية.

 

يتخوّف كثيرون من أن تكون السجائر الإلكترونية أداة لنقل عدد من الالتهابات الفيروسية من خلال تناقل السيجارة الإلكترونية الواحدة بين أكثر من مدخّن. بحسب التقارير التي تتلقّاها إدارة الأغذية والدواء الأمريكية عن التأثيرات السلبية من مستهلكين واختصاصيي صحة، قد تؤدي هذه السجائر (لم يثبت ذلك بعد) إلى عدد من الأمراض كالالتهاب الرئوي وقصور في القلب وانخفاض في ضغط الدم.

من الصعب اتخاذ موقف صارم من السجائر الإلكترونية لأنها متوافرة منذ سنوات قليلة فقط ولم تُجر دراسات كافية لتحديد سلامتها أم لا. يذكر أننا احتجنا إلى عشرات السنوات لاكتشاف أضرار السجائر التقليدية. على الرغم من أن كثيرين يتّهمون عمالقة السجائر التقليدية بشنّ حملة على السيجارة الإلكترونية بسبب تراجع مبيعاتها. فقد ذكرت دراسة للمرصد الفرنسي للمخدرات والإدمان أن مبيعات السجائر في فرنسا عام 2013 انخفضت بنسبة 7،6%، وهو أكبر تراجع منذ رفع أسعار السجائر بنسبة 50% قبل عشر سنوات تقريباًً. بانتظار دراسات علمية موثوق بها، تختلف مواقف الدول من السجائر الإلكترونية، ويبقى على المستهلك أن يفكّر مليّاً قبل استخدامها.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي