التحرّش الجنسي في خدمة السلطة

التحرّش الجنسي في خدمة السلطة

في قصر القبة الرئاسي، كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلقي خطابه إلى الأمة ويقول فيه: "سنؤسس لمصر المستقبل، دولة قوية، محقة عادلة، سالمة آمنة". غير بعيد عنه، وبالتحديد في ميدان التحرير حيث تجمّع أنصار الرئيس للاحتفال بتنصيبه، كانت الكارثة: حالات اغتصاب جماعي لنساء عدّة.

عن أحداث ذاك النهار، تم تداول فيديو، بشكل واسع، تظهر فيه شابة مصرية وهي تتعرّض للانتهاك الجنسي بطريقة مخيفة. تحلّق حولها المجرمون وجرّدوها من ملابسها واعتدوا عليها بآلات حادّة. حين تصل الكاميرا إلى الجزء السفلي من جسدها العاري نرى الدماء تسيل على مؤخرتها. إلى جانب المجرمين نرى مجموعة من الشباب تحاول إنقاذها ونرى رجل شرطة يحمل سلاحاً نارياً ولكنه لم يستخدمه قطّ لإيقاف الجريمة البشعة.

تحرّش واستثمار سياسي

بحسب "بي بي سي"، لا يصوّر الفيديو المتداول أحداثاً جرت نهار الأحد الماضي.أشارت في خبر نشرته إلى أنه "يبدو أن الفيديو بثّ لأول مرة يوم الرابع من يونيو، بعد يوم واحد من إعلان النتائج الرسمية لانتخابات الرئاسة. وقد أزيل الفيديو الأصلي من على يوتيوب بسبب محتواه الصادم للمشاعر، ثم أعيد بث نسخة معدّلة على اليوتيوب الأحد".

بغض النظر عن تاريخ الفيديو، فقد جرت حالات تحرش جماعي عدّة في ميدان التحرير في ذاك التاريخ. مبادرة "شفت تحرّش" رصدت خمس حالات في ميدان التحرير وأمام قصر الإتحادية "منهن أربع احتجن إلى دعم طبي فى المستشفيات القريبة من محيط التحرير". "بي بي سي" نفسها نقلت عن مصادر طبية أن "سيدة نقلت الأحد في حالة حرجة إلى مستشفى الجمهورية بعد تعرضها لعملية اغتصاب كاملة". الشرطة المصرية قبضت على سبعة أشخاص تراوح أعمارهم بين 16 و49 سنة.

فور انتشار الفيديو خرجت أصوات كثيرة مستنكرة. بعض المستنكرين سارعوا إلى استثمار الواقعة سياسياً وإلقاء المسؤولية عنها على عاتق خصوم السيسي السياسيين. الإعلامى أحمد موسى قال في برنامجه "على مسؤوليتي" الذي تبثه فضائية "صدى البلد"، بلغة ديبلوماسية، أن حالات التحرّش التي وقعت هي ردّ على حديث السيسي في خطبه عن المرأة ودورها فى المستقبل. ما لمّح إليه موسى قاله بفجاجة البرلماني السابق، حمدي الفخراني، في مداخلة هاتفية خلال البرنامج نفسه حين ادّعى أن "المتحرشين قالوا للسيدات والفتيات اللاتي تعرضن للتحرش هو انتو لسه شوفتوا حاجة يا بتوع السيسي يا ولاد ...". يصعب تصديق حدوث ذلك وسط حشد من أنصار الرئيس الجديد. من جانبها، اتهمت المدير التنفيذي لمركز "إبن خلدون للدراسات الإنمائية"، داليا زيادة، جماعة الإخوان المسلمين بالوقوف وراء ما حدث.

أعمال ممنهجة؟

في تقرير بعنوان "مصر: استهداف النساء في محيط ميدان التحرير بالعنف القائم على نوع الجنس"، صدر بعد حصول اعتداءات جنسية على متظاهرات في ميدان التحرير في 25 يناير 2013، وصفت منظمة العفو الدولية الطريقة التي يتم فيها هذا النوع من الاعتداءات.

جاء في التقرير المذكور: "باستعراض روايات الناجيات وإفاداتهن، يمكن القول إن ثمة نمطٌاً واضحاً يتخلل تلك الاعتداءات... وبموجب ذلك النمط، تقوم مجوعة من الرجال ممن هم في العشرين أو الثلاثين من العمر باستهداف النساء فرادى عبر عزلهن عن الأصدقاء و الزملاء قبل أن يتزايد عدد أفراد تلك المجموعة تدريجياً. وبعد أن يتحلّق أفراد المجموعة حول الناجية، تبدأ الأيادي بلمس جسدها، وخصوصاً صدرها، وأعضاءها التناسلية، وإليتها، وتتعرض أيضاً لشدّ شعرها، وتجاذب جسدها باتجاهات مختلفة، إضافة إلى محاولات تجريدها من ملابسها... ومن ثم تتعرض الناجية لسحلها بعنف بينما يحيط أفراد المجموعة الغوغائية بها من كل جانب".

في حالة لافتة، تم الاعتداء جنسياً على الناشطة الدكتورة راوية عبد الرحمن، وهي جدة تبلغ من العمر 67 عاماً. روت عبد الرحمن ما حصل معها لمنظمة العفو الدولية واعتبرت أن "الطبيعة المنسقة للاعتداء" تقودها "إلى الاعتقاد بأن الاعتداء مدبّر ويهدف إلى ثنيها وغيرها من النساء عن الانضمام إلى الاحتجاجات". لجوء الجناة إلى "استخدام أساليب وتحرّكات متشابهة" دفع نشطاء عديدون إلى اعتبار "أن الاعتداءات الجنسية على النساء هي اعتداءات منسقة ومنظمة - لربما من خلال أطراف مرتبطة بالدول - بهدف إسكات صوتهن، وإبعادهن عن الأماكن العامة، والأحداث السياسية".

بعد الاعتداءات التي وقعت في 25 يناير 2013، خرجت ميرفت التلاوي، الأمين العام للمجلس القومي للمرأة، لتقول "إن تلك الظاهرة سياسية أكثر منها جريمة جنائية"، متهمة مجموعات منظمة وممنهجة بالعمل على التحرش بالنساء في التظاهرات في محاولة لإبعادهن عن المشاركة في الحياة السياسية. ما كانت تقوله التلاوي، المؤيدة للسيسي، في زمن حكم الإخوان لن تكرره اليوم. لن تتهم السلطة. بعد الحوادث الأخيرة صرّحت أن "الإخوان دفعوا بمتحرشين لإفساد فرحة المصريين بالتحرير".

مجتمع متوحّش؟

إذن هي من جديد نغمة الاستثمار السياسي التي تُغيّب وجود أزمة حادّة يعانيها المجتمع المصري. في تقرير مشترك لهيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين النساء، والمركز الديموغرافي المصري، والمعهد القومي للتخطيط تظهر النتيجة المخيفة: أكثر من 99 من بين كل مئة امرأة، شملهن المسح في سبع وعشرين محافظة، واجهن شكلاً من أشكال التحرش الجنسي، الذي يتنوع ما بين المضايقات البسيطة والاغتصاب.

السلطات المصرية تتعاطى بخفّة مع الأزمة. حين تحضر إحدى النساء إلى قسم الشرطة لتقديم بلاغ بتعرضّها للتحرّش ينصحها الأمنيون بنسيان الموضوع لكي لا تثير فضيحة حول نفسها وأحياناً لا يتوانون عن اتهامها بأنها هي السبب في وقوع الاعتداء عليها لأنها لم تكن ترتدي ملابس محتشمة. مشهد الشرطي الذي يظهر في فيديو المرأة التي تعرضت للاعتداء حاملاً سلاحاً حربياً دون أن يستخدمه لإيقاف جريمة تحصل أمام ناظريه تكشف "العادية" التي تنظر بها السلطة إلى المسألة. فهل كان ليتصرّف بالطريقة نفسها لو وقعت أمامه حادثة سرقة؟

هذا الواقع دفع كثيراً من الناشطين إلى المطالبة بعلاجات لهذه الأزمة. قبل أيام، أصدرالرئيس المصري السابق، عدلي منصور، قانوناً يجرّم التحرش الجنسي ويعرض المرتكب لعقوبات قد تصل إلى السجن خمس سنوات ودفع غرامة تصل إلى خمسة آلاف جنيه (700 دولار).

هل هناك يد خفيّة تحرّك جماعات المغتصبين؟ في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك لم تكن ظاهرة الاعتداءات الجنسية الجماعية منتشرة بقدر انتشارها بعد الثورة. هناك حالات عدّة حصلت. أبرز هذه الحالات دلالة هي إقدام مجموعات من الرجال، عام 2005، على الاعتداء على صحافيات كنّ يشاركن في احتجاج يدعو إلى مقاطعة الاستفتاء على تعديل الدستور.

في فترة رئاسة الرئيس الأسبق محمد مرسي، وقعت حوادث عدّة كانت ذروتها ما جرى يوم 25 يناير 2013. ولكن اللافت أن فترة حكم المجلس العسكري التي تلت تنازل مبارك عن الحكم لم تشهد حالات اعتداءات جنسية جماعية على نساء مصريات.

 

في ختام الاحتفالات نهار الأحد الفائت، بدأت قوات الجيش والشرطة، حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف ليلاً، بإخلاء ميدان التحرير عن طريق إقناع المشاركين فى الاحتفالات بالخروج فوراً من الميدان حفاظاً على النساء. ومنعت قوات الجيش أي شخص من دخول الميدان بعد منتصف الليل وانتشرت دوريات الشرطة حول محيط الميدان.

جرى ضبط هذا الفضاء العام وقد يتم التذرّع لاحقاً بخطر تكرّر ما حصل لمنع المتظاهرين من النزول إليه. ستكون حجّة اجتماعية أقوى من قانونية قانون التظاهر. هناك مؤشرات عدّة تشير إلى إمكان أن تكون حفلات الاعتداءات الجنسية الجماعية منظمة من قبل طرف سياسي أو أمني. لا يمكن الحسم. ربما تكون بعض المجموعات المصرية هي من تقدّم إلى السلطة، ومن دون تنسيق، هذه الخدمة. في النتيجة، يمكن أن يتم تصوير المجتمع المصري كـ"مجتمع متوحّش" غير جدير بالتجمّع في الأماكن العامة. ومن نافل القول إن هذا الوسم سيلحق به اعتبار أن الاستبداد هو الوسيلة الوحيدة المناسبة لحكم "المتوحشين".

المسألة تحتاج إلى تحقيق جدّي. ولكن أمام هذه التساؤلات الخطيرة لا تزال قطاعات واسعة من المجتمع المصري تتعاطى مع هذه المأساة بسخافة كما فعلت مذيعة "قناة التحرير"، مها بهنسي، أثناء حديث إحدى مراسلات القناة عن وقوع حالات تحرش فردية حين قاطعتها قائلة: "مبسوطين هههههه الشعب بيهزر".

التعليقات

المقال التالي