سفير العراق في الشام

سفير العراق في الشام

لم نحظَ بسفارة عراقية في دمشق طيلة الفترات التي مضت من سنوات شبابنا، فالعلاقات بين البلدين المحكومين من قِبل حزب البعث العربي الاشتراكي مقطوعة، والسبب هو الكراهية التي يكنها حافظ الأسد لصدام حسين وصدام حسين لحافظ الأسد. كل منهما كان يرى نفسه “قائداً” للأمة العربية، لذا  فإن خلافهما كان على الأرجح عبارة عن عداوة كار لا أكثر ولا أقل، وكانت الجملة الشهيرة على جوازاتنا السورية “كل دول العالم والبلاد العربية ما عدا العراق” من الجمل الأكثر غرابة في تاريخ البعث العروبي!

إذن لم يكن لنا أن نمضي إلى العراق، لكن العراق كان قادماً إلينا. منذ العام 1979 وسوريا تستقبل المعارضين العراقيين من سياسيين وشعراء وكتاب وفنانين، حتى غدا الكثير من الشعراء والفنانين والصحافيين العراقيين جزءاً من الحياة الثقافية السورية. عاش الجيل الجديد الذي قدم إلى الحياة في سوريا فيها بكل أبعادها الاجتماعية كأي سوري آخر.

في مقهى الروضة الشهير في شارع العابد تقع طاولة أبو حالوب منذ ثلاثين عاماً، أبو حالوب الشاب العراقي الذي درس في روسيا وعاد منها إلى دمشق وبقي فيها إلى الآن. كانت طاولة أبو حالوب هي السفارة العراقية في دمشق، وكان أبو حالوب هو السفير. كل عراقي يريد السؤال عن عراقي آخر يأتي إلى أبي حالوب. لديه عناوين العراقيين في الداخل والخارج، في المنافي البعيدة، في السويد ولندن وكندا وأستراليا والعالم العربي والغربي، في الشمال والجنوب. إذا ضيع عراقي عائلته دله أبو حالوب إلى عنوانها، وإذا خرج عراقي من الداخل فإن أول شيء يفعله هو المجيء إلى مقهى الروضة كي يدله أبو حالوب إلى العناوين التي يحتاجها.

سميته سفير العراق في دمشق في أكثر من مقال، وكتبتُ ذات يوم مقالاً فكاهياً في جريدة محلية يوم افتتاح سفارة العراق أخيراً في دمشق بعد عدة سنوات من سقوط نظام صدام، أطالب فيها السفير الجديد بتكريم السفير السابق ألا وهو أبو حالوب كما تكون عليه العادة في البروتوكولات الدبلوماسية. اتصلت السفارة الجديدة بي عبر أحد موظفيها وبلغوني بأن السفير الجديد قرأ المقال وسوف يكرم أبا حالوب. وبعد أيام عاد الموظف واتصل وأبلغني بأنهم اتصلوا بأبي حالوب ودعوه إلى غداء مع السفير لكنه رفض الدعوة بحجة أنه لا يستطيع ترك دوامه في المقهى، وأردفَ بأنه لا يمانع من استقبال السفير في مقهى الروضة إذا أراد أن يراه.

كان أبو حالوب زاهداً وما زال بكل شكلانيات الحياة، وهو ابن العائلة البغدادية العريقة، حتى أن الشاعر محمد مهدي الجواهري صديق والده كان قد كتب قصيدة عنه عندما كان طفلاً، يقول في أحد أبياتها: "أَلَبيدُ عشتَ الدهر عمرَ لبيدِ/ غضَّ الصِّبا ألِقاً طريَّ العودِ". الإسم الحقيقي لأبي حالوب هو لبيد، لكنه صار طي النسيان بعد أن حصل على اسمه الحالي الشهير. حالوب باللهجة العراقية تعني حبات البَرَد، ولا أحد يعرف سبب اختياره لهذا الإسم، تماماً كما لم يعرف أحد سرّ اختياره لهذه الوظيفة التطوعية لخدمة الجاليات العراقية المنتشرة في أنحاء العالم، وهو الرجل الأعزب الأبدي.

لم يفكر بالزواج، ويحكي برقة لا مثيل لها عن قصة حب قديمة عاشها ذات يوم مع فتاة روسية. قمة المتعة لديه أن يقدم لك جواباً على سؤال، بل وإنه يقدم لك الأجوبة دون أن تسأله حتى، يناديني: لقمان، مناضل داوود صار بالسويد ويسلم عليك. ويعطيني عنوان مناضل صديقي ويحثني على الاتصال به. يستمتع أبو حالوب بحركة التواصل بين الناس، ويشجع على تفعيل هذه الحركة على الدوام. أبو سعاد صار في روسيا وبعد شهر سيمضي إلى كندا، عبد الله صخي صار في لندن، فؤاد سالم مريض، مظفر النواب تحسنت صحته، وأخبار وأخبار وأخبار عن كل الأصدقاء، عن كل الأحباب…

بعد 2003 صارت أعمال أبو حالوب أكثر كماً وتنوعاً، فلقد جاءت عائلات كثيرة من العراق، وبدأت عمليات البحث عن الأهل. الكل يأتي إلى المقهى، يسألون عن أبي حالوب، يجالسونه، يسألونه عن قريب، يعطيهم العنوان، أو الخبر، يوصل العراق الممزق ببعضه البعض من مركزه في شارع العابد بدمشق.

في إحدى أيام 2003 كنا جالسين معه في المقهى أنا وصديق سوري وإذ ببعض العراقيين من القادمين الجدد من العراق يتقدمون من الطاولة وعلى هيئاتهم ما زالت آثار الحرب والهجرة القسرية واضحة. سألوه إذا كان هو أبو حالوب فأجابهم بنعم ودعاهم للجلوس. نظر إلي الكهل العراقي مستغرباً شعري الطويل، وتابع أسئلته لأبي حالوب. نهضتُ مستأذناً ومضيتُ إلى طاولتي في عمق المقهى. أخبرني صديقي السوري لاحقاً ما جرى في غيابي. سأل الكهل العراقي أبا حالوب عني قائلاً: هذا الشاب عراقي؟! فأجاب أبو حالوب: لا سوري... فهز الكهل العراقي رأسه وقد فهم الموضوع وقال برغبة نقل استغرابه لشعري الطويل: ها… إي...شوف شَعره طويل! فرد أبو حالوب: إيه… شعوب مرتاحة!

التعليقات

المقال التالي