وللحرية الزرقاء بابٌ

وللحرية الزرقاء بابٌ

أخبرنا مدرب فريقنا الشعبي السيد عادل قافو أننا ذاهبون إلى سجن حلب المركزي في المسلمية لملاقاة فريق السجن، وهللنا جميعاً لهذا اللقاء النادر، وحدثنا حارس مرمانا عبدو قافو عن صداقاته المتينة مع بعض المجرمين المتمرسين هناك، وكيف أنه سيجعلهم يحشدون الجماهير لتشجيعنا ضد فريق سجنهم، لكن كيف؟

هل اللاعبون من الشرطة أم من الحرامية؟ تساءل أحد لاعبينا الفاشلين، من المجرمين يا حمار، أجاب المدرب الغاضب أبداً، وانطلقَ باصنا حاملاً اللاعبين الذين ينتمي نصفهم إلى عائلة قافو، بينما نصفهم الآخر من حارتنا صلاح الدين. كان عبدو قافو صديقي جوكر الفريق، فهو حارس المرمى عادةً، وقلب دفاع مُرّ عند اللزوم، وقلب هجوم لحظات الحاجة الماسة لهدف، ولاعب خط وسط  في حالات الفوضى. لعب في نوادي الحرية والجلاء والعمال، لكن اللعب في الأحياء الشعبية كان يستهويه أكثر من اللعب في النوادي. كان فريقنا، واسمه الشهباء، مصنفاً في الدرجة الثانية لفرق الأحياء الشعبية، ولا غرابة في الأمر، فقد كان دوري الأحياء الشعبية منظماً ومشكلاً من درجتين، ويعتمد فيه نظام الهبوط والصعود. كنا نكافح للصعود إلى الدرجة الأولى، مكاننا الطبيعي الذي فقدناه منذ عامين، لذا فإن تحضيراتنا كانت تتطلب منا بعض المباريات الودية. لعبنا في مخيم النيرب مباراة ودية انتهت بمعركة شارك فيها كل أشاوس الفريق، بينما اتهموني بالتخاذل لأنني حاولت فك النزاع.

في فرق الأحياء الشعبية عليك أن تكون لاعب كاراتيه قبل أن تكون لاعب كرة قدم، أما الحكام فهم يحملون السكاكين في جيوبهم عوضاً عن البطاقات الحمراء والصفراء، ففي هذه المباريات يتعرض الحكام إلى الضرب المباشر من قبل اللاعبين أو الجمهور  بنسبة 50%. ولا عجب أن يأتي الجمهور لمشاهدة المعارك، لا المباريات عادةً... يشهد تاريخ ملعب كلية الأميركان على أن الحكم الشهير كمبريس لم يخرج من أية مباراة كان حكماً فيها دون أن يتسبب بمعركة، وبالطبع كان ينال نصيبه من الكدمات والخدوش والجروح، ومع ذلك فلم يقل مرة لا لأي عرض للتحكيم حتى لو كانت المباراة في قرية  كفر حمرة أو السفيرة. إن التحكيم يسري في دمائه، والتقديرات الخاطئة المثيرة للعراك لا للجدل عادة متأصلة فيه، لا مكان للجدل حول قرار غير مستساغ في مباريات الأحياء الشعبية، فضربة الجزاء ثمنها معركة طاحنة لمدة ربع ساعة في حال فض العقلاء من مدربين وجمهور النزاع، أما إذا امتد النزاع لأكثر من ربع ساعة فهذا يعني أن على المباراة السلام، وبالتالي دخول الجمهور أرض المعركة  الترابية.

المهم مالكم بالطويلة، دخلنا إلى السجن لأداء المباراة الودية ضد فريق السجناء بعد أن سلمنا هوياتنا للحرس، فاستقبلنا مدير السجن وأفراد فريق السجن ومدربهم الضابط. بالطبع، حاضَر فينا مدير السجن، بهدوء في البداية، عن أهمية الرياضة مستنداً إلى قول القائد الخالد حافظ الأسد: "إنني أرى في الرياضة حياة"، ثم اندمج وبدأ بالتهديد والوعيد لمن تسول له نفسه الخروج عن النص، ولوهلة ظننتُ نفسي سجيناً، بل خفتُ أن نسجَن إذا ما ارتكبنا خطأً ما، وبدأت المباراة. أرضية الملعب من الزفت، والسجناء يحيطون بجوانب الملعب، وهم يلطشوننا كما يلطِّشون الفتيات عادةً بعبارات غير لائقة، وكان نصيبي مقبولاً من التلطيشات، فقد كانوا يصفونني بـ “حج لكلَك” إشارةً إلى سيقاني الرفيعة كسيقان طائر اللقلق. كنتُ ألعب على الجناح الأيمن بمواجهة الظهير الأيسر رحمو الذي عرَّفَني عن نفسه بأنه محكوم مؤبد بتهمة القتل العمد، فيا ويلي إذا ما راوغته، في حين كان نصيب صديقي زكور قلب هجومنا أن يكون بمواجهة قلب الدفاع شمندي المتهم باغتصاب الأطفال كما قال له. كانت مباراة من الرعب الخالص، أنسلُّ بين المدافعين لأواجه حارس المرمى ذي الوجه الممتلئ بالشطوب الطولية والعرضية، وأركل الكرة إلى داخل المرمى محرزاً الهدف الأول، فينزل مدرب فريق السجن وهو ضابط في الشرطة برفقة عناصره طاقم التدريب ويصفع حارس المرمى ثم يأمر بتبديله.

ينزل الحارس الجديد بينما يُشحَط الحارس الأسبق إلى المنفردة على الأرجح وهو يشتمني ويتوعدني: أنا بفرجيك يا حج لكلَكْ. أحرز قلب هجوم فريق السجن أربعة أهداف متتالية غير صحيحة في مرمى عبدو قافو دون أن نجرؤ على الاحتجاج، فيما كان قلب الدفاع مغتصب الأطفال يتعمد لمس زكور بدون سبب، وخرجنا مهزومين ونحن نصافح الفريق الخصم بكل روح رياضية. لم نعترض على الحكم رغم أن الأهداف الأربعة كانت غير صحيحة، شربنا الشاي عند مدير السجن، ثم تجولنا في الردهات. شاهدتُ مكتبة السجن، ثلاث نسخ من مسرحية (أيام الكومونة) لبرتولد بريخت Bertolt Brecht، لمَ لا أسرق واحدة؟! لن يتضرر السجناء... سرقتها، وضعتها في حقيبة ملابسي الرياضية بكل روح رياضية، وقبل خروجنا دمَغَ الشرطي على أكفِّنا ختمَ السجن الأزرق للإذن بالخروج، مددنا أكفنا أمام الباب للحارس كي يرى الأختام الزرقاء، وخرجنا متنفسين الصعداء وأنا أردِّدُ: وللحرية الزرقاء بابٌ بكل يد مدموغةٍ  يُدّقُّ.

التعليقات

المقال التالي