مستقبل الأجانب في السعودية على المحك

مستقبل الأجانب في السعودية على المحك

ما زال الشاب الإرتيري عادل حسن ذو الثلاثين عاماً والمقيم في السعودية يترقب بعين القلق ما يخفيه القدر لمستقبل أبنائه الذين ولدوا في المملكة من أبوين ينتميان أيضاً للفئة نفسها وهي "مواليد السعودية". يخشى عادل أن يُجبر على الرحيل ذات يوم نتيجة الضغوط المتزايدة على القطاع الخاص في السعودية. ضغوط من أجل استبدال الموظفين الأجانب بالسعوديين، على الرغم من وجود نسبة كبيرة من الأجانب الذين قضوا معظم حياتهم يعملون في المملكة بدون التفكير في أنهم معرّضون لمغادرتها ذات يوم، لإفساح الطريق أمام الشباب السعوديين المتعطشين لملء وظائف في شركات القطاع الخاص.

يخبرنا عادل: "نسيت أنني إريتري وأن والدي جاء إلى هذه البلاد قبل 50 عاماً. أنظر إلى مستقبلي ومستقبل أبنائي بخوف إزاء التطورات والقرارات التي يمكنها أن تؤثر سلباً على مستقبل إقامتنا في السعودية. بالاضافة إلى أنّ أبنائي يعتبرون أنفسهم سعودييين لا فرق بينهم وبين أقرانهم في المدرسة سوى الهوية على الورق، حتى أن انتماءنا إلى السعودية انعكس على زينّا وعاداتنا ولهجتنا".

يضيف: "ابني الأكبر يبلغ من العمر 15 عاماً، تصعب عليه العودة إلى وطنه الأصلي الذي لم يزره من قبل. باتت حياته مرتبطة في السعودية بنظام الإقامة التي يجب عليه تجديدها كل عام. وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا يلتفت إلى الصعوبات التي تعتري إقامته هنا، إذ لا يعرف وطناً غير هذه البلاد. وفي حال عودته إلى وطنه الأصلي، سيجد غربة اجتماعية تنعكس على عاداته ولهجته وزيّه، إضافة إلى أن المجتمع الإريتري سيتعامل معه كونه سعودياً وليس إريتريا".

يأتي ذلك في الوقت الذي أثارت فيه مسودة قرار تحت عنوان "قرار احتساب العمالة الوافدة" التي تدرسها وزراة العمل السعودية منذ بداية العام الجاري بهدف تقييد مدة إقامة الأجانب، حالة خوف لدى العديد من المقيمين في السعودية، ولا سيما الذين أمضوا عقوداً طويلة يعملون في المملكة من دون التواصل مع أوطانهم الأم.

تسعى الحكومة السعودية إلى إطلاق فرص عمل لأبنائها عبر سياسة سعودة القطاع الخاص وفق معايير محددة، مع النظر إلى الوافد للعمل في السعودية بحسب "وزنه" ضمن سوق العمل ومساهمته فيها.

بحسب إحدى الصحف المحلية، تنصّ المادة الثالثة من مسودة القرار - التي لا تزال قيد الدراسة - على احتساب وزن العامل الوافد أو العاملة الوافدة في المنشأة في نسب توطين الوظائف في القطاع الخاص حسب أوزان مختلفة وفقاً لفترة إقامتهم في المملكة، وذلك اعتباراً من تاريخ حصولهم على أول رخصة عمل من وزارة العمل، سواء أكانت مدة إقامتهم متصلة أم منفصلة.

تنصّ المسودة، للمثال، على أن تتم معادلة وزن العامل الوافد (أو العاملة الوافدة) الذي أمضى أربع سنوات في السعودية بنحو 1.5 نقطة في نسب توطين الوظائف المعتمد لدى وزارة العمل، وذلك ابتداءً من السنة الخامسة من تاريخ حصوله على أول رخصة عمل. في حين يقدّر وزن العامل الوافد (أو العاملة الوافدة) الذي أمضى خمس سنوات في السعودية بنقطتين في نسب توطين الوظائف المعتمد لدى الوزارة، وذلك ابتداءً من السنة السادسة من تاريخ حصوله على أول رخصة عمل. وهناك معادلة معقّدة لحساب "وزن" الوافد تحتاج إلى تدقيق ورصد تواريخ إقامته في السعودية.

يسهم هذا القرار في زيادة تكلفة العامل الأجنبي لدى القطاع الخاص، إذ تسعى وزارة العمل إلى معاقبة الشركات المحلية التي تتجاهل نسب توطين الوظائف في الشركة الواحدة، والاعتماد عوضاً عنها بالعمالة الوافدة بمعدلات كبيرة، وذلك عبر تجميد كلّ المعاملات الخاصة بالشركة لدى الوزارة.

كشفت إحدى الدراسات التي أعدتها وزارة العمل حول قياس التناسب بين فترة بقاء العامل ومستوى المهارة لديه، عن أن منخفضي الكفاءة من العمالة الوافدة للسعودية هم الأكبر معدلاً في متوسط مدة البقاء داخل السوق السعودي بنحو 7.7 سنة، حيث يقدر عدد العمالة الوافدة للسوق بنحو 7.2 مليون وافد. وأوضحت الدراسة أن متوسط فترة بقاء العامل في المملكة بشكل عام يُقدّر بنحو 6.9 سنة.

وفي هذا السياق، نفى المتحدث الإعلامي لوزارة العمل، حطاب العنزي، وجود أي معلومات حيال الجدول الزمني للبتّ في تطبيق ما ورد في بنود تلك المسودة لأنها لا تزال قيد الدرس. وأكّد أنه ستُعلن الموافقة عليها أو تعديل أحد بنودها، وفقاً للتوصيات المطروحة.

بحسب المحلل والخبير الاقتصادي السعودي، الدكتور فضل أبو العينين: "تأتي هذه المسودة - في حال اقرارها - ضمن سياق خطة تطوير برنامج "نطاقات" الذي طبقته وزارة العمل منذ ثلاث سنوات، وهو يهدف إلى تقييم وتصنيف شركات القطاع الخاص إلى 4 نطاقات، "النطاق الأحمر" وتندرج فيه الشركات التي تعد الأقل توظيفاً للكوادر السعودية، وشركات "النطاق الأصفر" التي تتميز بتوظيف نسب متوسطة من السعوديين، وشركات ذات "النطاق الأخضر" التي تتميز بنسب شبه مرتفعة في معدلات توظيف الكوادر المحلية، وأخيراً شركات "النطاق الممتاز" التي سجلت نسباً عالية جداً في توطين الوظائف".

ويضيف أبو العينين "أن الشركات في "النطاق الأحمر" معرّضة لتجميد مجمل معاملاتها في وزارة العمل، وحرمانها من الحصول على الخدمات التي توفّرها الوزارة، مقارنة بتلك التي تحصل عليها المنشآت التجارية في النطاقين "الأخضر والممتاز". كما تدرس وزارة العمل احتساب وزن العامل الوافد أو العاملة الوافدة في الشركة في نسب توطين الوظائف ضمن برنامج "نطاقات"، إذ يتم احتساب العامل الأجنبي بوزن محدد بحسب مدة بقائه في السعودية وعدد الزوجات والمرافقين والراتب الذي يتقاضاه من الشركة التي يعمل لديها".

هدف احتساب وزن العامل الأجنبي، بحسب أبو العينين، هو عدم تشجيع شركات القطاع الخاص على الإقبال بشكل كبير على توظيف الأجانب، والزام تلك المنشآت باستبدال العمالة الوافدة - بقدر المستطاع -  بالكودار المحلية، لإطلاق المزيد من فرص العمل لدى الشباب السعوديين".

يخشى الكثير من المقيمين الأجانب في السعودية أن تلقي هذه القرارات الحكومية بظلالها على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، سواء في إيجاد الوظائف في القطاع الخاص أو الانتقال من شركة إلى أخرى. ويشكو الكثير من فئة "مواليد السعودية" من معاملتهم كوافدين جاءوا بالأمس القريب، لا سيما أنهم يشعرون بالانتماء إلى البلد، إلا أنهم لا يمتلكون جنسيته أو حتى اقامة دائمة تضمن لهم العيش بطمأنينة بدون تعرضهم لأي قرار حكومي يجبرهم على مغادرة المكان الذي تربوا فيه.

إبراهيم نافع

صحافي إيريتري مقيم في السعودية. عمل محرراً للأخبار السياسية في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، ويعمل حالياً في صحيفة عرب نيوز الناطقة باللغة الإنجليزية.

التعليقات

المقال التالي