الضحك مسموح، ولكن ليس على السيسي

الضحك مسموح، ولكن ليس على السيسي

“انا قلبي كان شخشيخة أصبح جرس،

جلجلت به صحيوا الخدم والحرس.

أنا المهرج، قمتوا ليه؟ خفتوا ليه؟

لا في إيدي سيف ولا تحت مني فرس”.

لا أحد يدري على وجه الدقة ما الذي كان يجول في ذهن صلاح جاهين شاعر العامية الأشهر في تاريخ مصر حين كتب هذة الكلمات في الستينات من القرن الماضي. المؤكد أنه لم يكن يدري أنها ستنطبق بشدة على باسم يوسف المهرج الذي أخاف الحرس إلى درجة أنهم طاردوه ومنعوه من الظهور.

باسم يوسف، الطبيب الذي عرفه الجمهور من مقاطع الفيديو التي كان يصورها وينشرها على يوتيوب. نجاحه أغرى القنوات أن تحتضنه، ومن قناه لقناة، تحول إلى نجم النجوم، وبرنامجه "البرنامج" حاز أعلى نسبة مشاهدة، وتهافتت عليه الشركات المعلنة.

النجاح يغري بمزيد من النجاح، والتطوير لا حدود له، والرغبة في التميز هي سمة باسم الأساسية. الرجل لم يكتفِ بكونه مقدماً برنامجاً كوميدياً، بل صبغه بصبغة نقدية سياسية لاذعة، حتى إنه أصبح أحد أهم الحراب المستخدمة في الحرب على التيار الإسلامي الحاكم حينها ورئيسه أحمد مرسي الذي لم يسلم من نقد باسم ونكاته القارصة.

مرت شهور، وجرت مياة كثيرة بالنهر، وتمت الإطاحة بمرسي، لكن الرياح التي خلعت الإخوان المسلمين لم تترك "المهرج" وشأنه، فعرش الكوميديا لم يكن أكثر ثباتاً من عرش "مرسي". من كانوا بالأمس يصفقون له، ضاقوا به ذرعاً اليوم. الساخر أصبح سافلاً، والوطني أصبح مأجوراً، وانتقاد السيسي خيانة، والتشكيك في رجاله عمالة للخارج.

طرد المهرج من قناة "CBC" ليقصد قناة "MBC" السعودية، فـ"الفرخة" التي تبيض ذهب الإعلانات تغري الجميع باقتنائها، إلا أن رياح السياسة أعتى من سفينة البزنس. وعليه فإن وفقاً لتصريحات عدة من بينها تصريح لباسم يوسف،  فإن قناة MBC اضطرت إلى إلغاء برنامجه حرصاً على ما وصف "بالعلاقات المصرية السعودية".

"البرنامج بشكله الحالي لن يسمح له بالاستمرار"، "بصراحه ده مش مناخ يطلع فيه برنامج كوميدي ولا أي برنامج"، "أنا تعبت من الخوف على السلامة الشخصية ليا ولعيلتي وللناس اللي حواليا"، "وقف البرنامج رسالة واضحة وقوية". هكذا تحدث باسم يوسف مودعاً جمهوره، معلناً بصراحة أن الرسالة وصلت.

لم يكن وقف برنامج باسم يوسف هو الحدث المقلق فقط للمهتمين بحرية التعبير والحقوق الشخصية، إذ تزامن ذلك مع إعلان وزارة الداخلية مراقبتها لصفحات التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر.

الأمر الذي أثار موجة عارمة من الغضب الممزوج بالتهكم من نشطاء ومستخدمي هذه المواقع. على الفور، تم الردّ عل الوزارة بإطلاق هاشتاج #احنا_متراقبين الذي شهد إقبالاً رهيباً وتعليقات متنوعة، أغلبها كان ساخراً من محاولة الدولة فرض قبضتها مرة أخرى ومما سمّوه محاولات العوده للدولة القمعية.

اللواء هاني عبد اللطيف من إدارة الإعلام بوزارة الداخلية المصرية قال لرصيف22: "لا عوده لدولة مبارك، فالمجتمع تغير ولم يعد ممكناً تكميم الأفواه مرة أخرى". وأضاف أن هذا الإجراء مجرد تطوير للوزارة لمواجهة الجرائم الإلكترونية، من أجل منع جرائم الإرهاب والسب والقذف وازدراء الأديان".

لكن المحامي محمد عزمت يبدي قلقة من هذا القرار، مؤكداً أن الهدف هو استعادة السيطرة على المجال العام، مستدلاً بإلقاء القبض على مجموعة من الشباب أنشأوامجموعة على فيسبوك لمناقشة الإلحاد فقُبض عليهم بتهمة ازدراء الأديان. يقول عزمت: "الإلحاد ليس تهمة بحسب القانون، وبالتالي فإن الهدف ليس محاربة الإلحاد بل نشر ثقافة الخوف وإشعر الآخر أنه مراقب دائماً".

لن يكون ازدراء الأديان السبب الوحيد للقبض على المواطنين، قد يصبح مجرّد انشاء صفحة على فيسبوك، أو التفاعل على صفحة ثورية، أو التشجيع على التظاهر، سبباً للاعتقال بتهمة التحريض على الداخلية، مثلما حدث مع طارق رضوان آدمن صفحة "عين شمس النهارده".

حرية التعبير والحريات الشخصية، تشغلان اليوم بال النشطاء ومستخدمي الانترنت، في موازاة مطالب الأمن والاستقرار ولقمة العيش، التي تؤرق الغالبية العظمى من المصريّين. هل باتت العودة لزمن مبارك وشيكة؟

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي