راديو “أوال” يبث القضية الأمازيغية في ليبيا

راديو “أوال” يبث القضية الأمازيغية في ليبيا

على مدى عقود حكم القذافي لليبيا تعرضت أقلية الأمازيغ لظلم وتشويه وصل إلى حدّ منع تسجيل أسماء مواليدها بلغتها الأصلية، ما أجبرها على اختيار أسماء عربية فقط. لكن مع بدء الثورة، خاض الأمازيغ النضال جنباً إلى جنب مع الثوار، لقضيتهم وحقوقهم. بعد مرور بعض الوقت، ظهر أول راديو مجتمعي ناطق بالأمازيغية في ليبيا، راديو "أوال"، الذي يعني الكلمة الحسنة بالأمازيغية. انطلق الراديو من منطقة "يفرن" في سلسلة جبال نفوسة في الجنوب الليبي، بهدف "إيصال صوت أهالي نفوسة ويفرن للمسؤولين وتوعية الناس بحقوقهم الأساسية، وأهمها المواطنة".

بدأ اهتمام "مادغيس مادي" الشخصي، 42 عاماً، أستاذ اللغة الأمازيغية وأحد مؤسسي راديو "أوال"، بأهمية الراديو خلال وبعد الثورة استناداً إلى تجربته الإعلامية السابقة في العمل الوثائقي. تركزت غالبية أعماله الوثائقية حول عادات وتقاليد الأمازيغ ونضالهم المستمر من أجل حقوقهم. عندما بدأت الثورة كان "مادغيس" يعمل في تلفزيون المعارضة "
يقول مادغيس "حققت بعض النجاح في العمل التلفزيوني، فحدّثني بعض الأشخاص من المجلس المحلي لمنطقة "يفرن" عن إمكانية عمل راديو مجتمعي للمنطقة. أحببت الفكرة، والتقيت مصادفة بأعضاء من منظمة "أصواتنا"، التي تهدف إلى ترسيخ مفهوم الراديو المجتمعي في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط. أخذتهم في زيارة للمدينة وتحدثنا عن المنطقة ومشاكلها، ورغبة أهلها في إطلاق راديو مجتمعي، فدعمونا بجزء كبير لتأسيس وشراء المعدات اللازمة".

بعد الحصول على الدعم المالي من "
في شهر يوليو من العام نفسه، بدأ راديو "أوال" البث باستخدام هوائي بث يصل طوله إلى 60 متراً يقع فوق قمة جبلية تعود ملكيتها إلى إذاعة تابعة للدولة كانت تعمل أيام حكم القذافي. تصل قوة إرسال الهوائي إلى العاصمة طرابلس شمالاً على بعد 120 كلم، حتى الحدود الليبية التونسية غرباً بمسافة 250 كلم.

جاء طلب المجلس المحلي من "مادغيس" لتأسيس راديو تكون مهمته التواصل مع السكان ومناقشة مشاكلهم متفقاً مع تعريفه الشخصي للراديو المجتمعي الذي يعبر عن طموحات وآمال وآلام السكان المحليين، ويكون مملوكاً لهم، ما يميزه عن محطات إذاعية تملكها الحكومة أو محطات تجارية تعود ملكيتها لرجال أعمال أو شركات تسعى للربح. يقول مادغيس لرصيف 22: "على الرغم من طلب المجلس المحلي منا العمل على الراديو، إلا أنه لا يملك أي شيء فيه". هناك تعاون كبير جداً بين "أوال" والمجلس بحسب مادغيس، فممثلي السلطة اليوم في ليبيا لم يعودوا معيّنين بمعزل عن المجتمع، والمجلس المحلي الحالي اختير من قبل الناس أنفسهم. "حتى يستمر، يجب عليه أن يقدم شيئاً للناس، وأن يحاول تلبية طموحات المنطقة".

على الرغم من دعم المجلس المحلي لراديو "أوال"، إلا أن مشكلة التقنين القانوني لعمل الراديو المجتمعي وبثه على موجات إف إم في ليبيا لا تزال معلقة في الأفق لغياب القوانين. يقول مادغيس بهذا الصدد: "لا يوجد في ليبيا أية قوانين واضحة أو صريحة تنظم عمل محطات الراديو، لا سيما المحلية منها، لأنها فكرة حديثة في البلد. وهو ما سيسبب إشكالية في المستقبل. أتوقع أن يكون هناك إشكاليات ذات طابع قانوني لا تتوقف على الراديو فقط، بل على التلفزيون أيضاً".

يواجه "أوال" العديد من التحديات أهمها الخبرات. يقول مادغيس: "الخبرات هي ما ينقص الراديوهات المجتمعية ويسبب لها مشكلة حقيقية، لأننا لا نستطيع أن ندفع رواتب كالتي تدفعها المحطات التجارية". على سبيل المثال دربت "أوال" بعض الأشخاص حتى أصبحوا مذيعين جيدين، لكن أخذهم راديو تجاري بعد أن قدم لهم رواتب كبيرة. على الرغم من هذا التحدي إلا أن "أوال" يمتلك ميزة لا تتوافر في المحطات التجارية، بحسب مادغيس، هي أن غالبية من يعملون فيه يؤدون عملهم بدافع حب المنطقة وقيمة التحدث باللغة الأمازيغية، "الناس ترغب في العمل معنا ليس لأننا راديو فقط، وإنما للحفاظ على لغتها وإعطائها دفعة إعلامية، بعد أن كانت ممنوعة".

ميزة التحدث بالأمازيغية استفاد منها "أوال" بشكل كبير، وهو ما ظهر واضحاً في توعية الأمازيغ حول أهمية مقاطعة لجنة الستين المكلفة بإعداد الدستور الليبي الجديد. يقول مادغيس: "الأمازيغ يقاطعون لجنة الستين الآن مثلما فعل الأقباط في مصر أيام الرئيس المعزول محمد مرسي، لأن هذا الدستور عقيم ولا يمثل الأقليات. ودورنا في هذا يتلخص في التوعية بالفرق بين الدستور التوافقي ودستور الأغلبية".

يطالب "أوال" أيضاً بأن يكون الدستور المرتقب توافقياً وليس دستور أغلبية. يقول مادغيس: "تترواح نسبة الأمازيغ السكانية ما بين 5 و10 بالمئة، ولو ترك الأمر للأغلبية فلن يحصلوا على أي شيء، ولن يكون لهم مكان في الدستور، خاصة أن النظام السابق كان يحشد ضدهم ويشوه صورتهم". يدفع الراديو كذلك نحو نيل اعتراف رسمي من الدولة باللغة الأمازيغية، فعلى الرغم من أن الأمازيعية تدرس الآن في المدارس الواقعة في المناطق الناطقة بها، من الصف الرابع الابتدائي، إلا أن هذه الخطوة جاءت بقرار سياسي يمكن أن يلغيه قرار سياسي آخر لحاكم آخر. من هنا أهمية أن يضمن الدستور عدم حدوث ذلك.

إلى جانب القضايا السياسية التي يناقشها راديو "أوال"، يضم جدول برامجه برامج موسيقية، وبرنامجاً صباحياً يشمل فقرات عن الصحة والطقس وأسعار الأسواق والأخبار السريعة، إضافة إلى برامج نسائية تناقش وضع المرأة في "منطقة يفرن"، وأخرى لتعليم اللغة الأمازيغية، كما برامج قراءة للأميين والسائقين وفاقدي البصر، بشكل يمكنهم من الاستماع إلى كتاب كامل من أوله حتى آخره.

نشر هذا المقال على الموقع في تاريخ 29.03.2014

كلمات مفتاحية
الأمازيغ ليبيا

التعليقات

المقال التالي