العلاج بمساعدة الحيوانات وصل إلى الإمارات

العلاج بمساعدة الحيوانات وصل إلى الإمارات

هل فكّرت يوماً أن الحيوانات ليست مجرد رفيق للإنسان لا بل قد تتحوّل إلى معالج في عدد من الحالات الطبية؟ نعم، الأمر بات ممكناً بفضل علاج يُعرف "بالعلاج بمساعدة الحيوانات" AAT - animal assisted therapy الذي وصل أخيراً إلى الإمارات العربية المتحدة. عندما أقلّتني سيارة الأجرة إلى اسطبلات التميمي على مشارف الشارقة، لم أكن أتخيّل أن موقعاً كهذا هو الأنسب للعلاجات، بعيداً عن المستشفيات والعيادات. على بعد أربعين دقيقة من دبي وعلى مساحة 12 هكتاراً، تطلّ هذه المزرعة التي تضمّ حوالى 500 نوع من الحيوانات. في هذه الواحة الهادئة، استقرّت مبادرة "سينس" Sense لتكون أول مؤسسة من نوعها تُدخل العلاج بمساعدة الحيوانات إلى الشرق الأوسط.

خلال جولة في المزرعة، تعرّفنا أديتي سان Aditi Sen، المؤسسة والرئيس التنفيذية لمبادرة "سينس"، على بعض من الحيوانات المدرّبة والمؤهلة لهذا النمط من العلاج. فنلتقي الفرس "بلوندي" والحصانين "جوكير" و"إبيريكا" والكلب "شابي" بالإضافة إلى "طوني"، الببغاء، و"بيتر" و"هنري" الأرنبين و"بيانكا" العنزة.


تخبرنا أديتي أن كل هذه الحيوانات مدربة وتحمل شهادة للعلاج ولا بد أن تحب التفاعل مع الآخرين. "تمّ تدريب الكلاب أربعة أشهر في الهند. شمل التدريب جوانب عدة خاصة بأهداف العلاج".

تقول أديتي إنها تحب كثيراً الطبيعة والحيوانات. خلال دراستها في دبي، اكتشفت غياب أي شيء شبيه بهذا العلاج بل مجرد مبادرات من حين إلى آخر. لذلك، شاركت في مسابقة ريادة الأعمال "ذي بيج ستارت" The big start وقدّمت المبادرة الاجتماعية "سينس" التي فازت في المسابقة لتنطلق فعلياً في يناير 2014 بمساعدة اصطبلات التميمي التي تموّلها وتقدّم لها هذا الموقع.

التقينا أيضاً زارا بوناوالا Zahra Poonawala، عالمة النفس المتخصصة بالعلاج بمساعدة الحيوانات، التي تعمل في "سينس". شرحت لنا أن هذا العلاج ليس شفائياً بل يساعد الأطفال الذين يعانون التوحّد على التواصل "لا سيما أنه يصعب عليهم التواصل مع الأخرين ويسهل عليهم ذلك مع الحيوانات". تضيف زارا: "الأمر أقل ترهيباً لاسيما للأطفال، وهو مختلف عن العيادات التي تعجّ بالأطباء والممرضات. يشعر الطفل أنه يؤدي نشاطاً ما في حين أنه يخضع للعلاج ويحقق الأهداف ذاتها".

كيف تجري جلسة العلاج بمساعدة الحيوانات؟

تلفت زارا إلى أن الجلسة تتراوح بين 45 و60 دقيقة، وتتضمّن معالجاً يدير الجلسة ويركّز على الطفل (على سبيل المثال) ومعالج الحيوان ليحرص على أن يكون هذا الأخير مرتاحاً. يشارك الأهل أحياناً في الجلسة إذا تطلّب الأمر ذلك. ويتوقف اختيار الحيوان على الحالة التي يتمّ معالجتها.

تقول زارا "على سبيل المثال، الطفل المتوحّد، يحتاج إلى التكامل الحسّي، لذلك نستخدم مختلف أجزاء الكلب من الفرو إلى الخشم ليكتشف الولد أحاسيس مختلفة" وتضيف أنه إذا كان الطفل متوتراً أو عنيفاً، يضعونه على الكلب فيركّز على تنفّس الكلب ويهدأ تلقائياً. يعتمد اختيار الحيوان على "المريض" ومشاكله وأيضاً على الحساسيات أو الرهاب، بحسب أديتي.

تؤكد زهرا أن التفاعل يجب أن يكون عفوياً وطبيعياً ولا يمكن إجبار الطفل أو حتى الحيوان على المشاركة فيه، "لذلك، إذا شعرنا أن الحيوان ليس في مزاج جيد أو يعاني من بعض الضغوط، نلغي الجلسة لأننا لن نحصل على النتائج المرجوة".

قد يكون العلاج بمساعدة الحيوان مثالياً للأطفال المتوحّدين إلا أنه يبدو نافعاً لدى الأطفال الذين يعانون من تأخير في النمو والتكلّم أو يعانون من مشاكل تركيز أو نشاط مفرط أو حتى من مشاكل سلوكية أو عاطفية. يمكن للراشدين أيضاً اللجوء إلى هذا العلاج لاسيما الذين يعانون من مشاكل ضغط أو قلق أو الذين يقومون بإعادة تأهيل بعد عملية جراحية أو يعانون من مشاكل في الحركة. من دون أن ننسى الكبار في السنّ الذين يعانون من الوحدة أو الألزهايمر أو السرطان أو أمراض أخرى.

download (5)

لا يقتصر عمل مبادرة "سينس" على اصطبلات التميمي بل أنها تقوم بالعلاجات الفردية في المنازل أو حتى الدورات في المراكز والمدارس لمجموعات من الأطفال. وعلى الرغم من حداثة هذه المبادرة، تؤكد أديتي أنها جذبت عدداً لا بأس به من الزبائن، "غالبيتهم من المقيمين الأجانب الذين يعرفون العلاج بمساعدة الحيوان. لذلك، يتّصلون بنا ولا نحتاج إلى أن نبيع لهم الفكرة" وتضيف "حتى في ما يتعلّق بالمواطنين المحلّين، لا يصعب إقناعهم لأنهم يريدون ما هو أفضل لأولادهم. إلا أن بعض الأهل قد يكونون متحفّظين على نوع الحيوان".

لا تعتبر زارا أن العلاج بمساعدة الحيوان استبدالاً للعلاجات النفسية التقليدية بل أشبه بتكملة لها. تقول "يمكنك دمج هذا العلاج بعلاجات عدة كالعلاج النفسي وعلاج النطق. ففي الأخير، نسعى جميعنا لتحقيق الهدف ذاته بطرق مختلفة". تضيف أديتي "نعمل مع مراكز لذوي الحاجات الخاصة التي تعتمد العلاجات التقليدية. على سبيل المثال، أراد مركز التوحّد في دبي أن نقوم بجلسات تجريبية للاقتناع بجدوى هذا العلاج. وعندما رأى ردود فعل الأولاد- بعضهم أراد البقاء مع الحيوانات وآخرون بكوا عند المغادرة- قرر اعتماده".

يرى ألبير مخيبر، عالم النفس السريري والدكتور في علم الأعصاب، أن المعالجين "التقليديين" لم يصدروا موقفاً رسمياً من العلاج بمساعدة الحيوانات لأنه غير معروف أو منتشر جداً. ويضيف "من الناحية النظرية، فإن المعالجين "التقليديين" الملمّين بالموضوع لديهم موقف إيجابي لاسيما أن هذا العلاج يثمر نتائج جيدة في بعض الاضطرابات ولا يبدو أنه يؤدي إلى أي آثار جانبية ضارة". لا يعتبر مخيبر أن هنالك سبباً واحداً يدعو إلى التردد حيال هذا النوع من العلاجات التي غالباً ما لا تؤدي إلى مخاوف أخلاقية ما دام المريض يخضع لعلاج كلاسيكي من أجل تعزيز التغييرات الطويلة المدى في السلوك والأفكار، فيمكن أن يكون هذا العلاج "إضافة مفيدة إلى "عدة" الطبيب النفسي". يشرح لنا مخيبر كذلك أن العلاج بمساعدة الحيوانات نوع من العلاجات المكمّلة التي تقوم على نظرية التعلقّ ألا وهي الحاجة إلى تطوير علاقات اجتماعية وعاطفية لدى الفرد. ونظراً إلى أن هذا النمط من العلاج يتعامل أكثر مع المسائل العاطفية، فلا بد من استخدامه بالتزامن مع العلاجات الأخرى التي تركز على التغيرات السلوكية والمعرفية.

إلا أن هنالك أصواتاً علت منتقدة العلاج بمساعدة الحيوانات لاسيما العلاج مع الدلافين(غياب الأدلة على فعاليتها والأذى الذي يلحق بالدلافين بسبب التدريبات التي تخضع لها وإجبارها على العيش في غير بيئتها الطبيعية) وذلك "نتيجة نقص في الأبحاث عن التأثيرات الطويلة الأمد"، بحسب الدكتور مخيبر.

على الرغم من أن العلاج بمساعدة الحيوانات ليس منتشراً بعد في الشرق الأوسط، فهو ليس حديثاً. يعود أول التقارير عنه إلى أواخر القرن الثامن عشر في مستشفى "يورك" York Retreat في إنجلترا حيث شجّع الطبيب ويليام توك ذوي الاحتياجات العقلية على التفاعل مع الحيوانات الأليفة الموجودة في المستشفى. وعام 1860، اتّبعت مستشفى بيت لحم الملكي Bethlem Royal Hospital في لندن النزعة ذاتها وأحضرت الحيوانات الأليفة إلى حديقتها مما أثّر إيجاباً على المرضى. حتى أنه عُرف أن سيغموند فرويد Sigmund Freud كان يشرك كلبه في جلساته النفسية الرائدة ولاحظ تأثير هذا الحيوان لاسيما على الأطفال والمراهقين.


يذكر أن التقاليد الإسلامية كانت تشجع على التفاعل والاهتمام بالحيوانات كالأحصنة والجمال لتأثيرها الشفائي.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي