عندما تنجب الطفلات أطفالاً

عندما تنجب الطفلات أطفالاً

يصل عدد ولادة الفتيات دون سن 18 إلى حوالى 20.000 حالة يومياً، بحسب تقرير الأمم المتحدة للسكان الأخير. يعود ذلك إلى بضعة أسباب تختلف باختلاف المجتمع: زواج الأطفال المباح في كثير من المجتمعات، عدم المساواة بين الجنسين، الفقر، العنف، السياسات الوطنية التي تقيد فرص الحصول على وسائل منع الحمل والتثقيف الجنسي، عدم الحصول على خدمات التثقيف والصحة الإنجابية، إضافة إلى أسباب دينية وعقائدية.

وعليه، تنجب 7.3 مليون فتاة لا تتعدى أعمارهن 18 سنة في البلدان النامية. تحدث حالات الحمل بين المراهقات بوتيرة متفاوتة في مختلف المناطق والبلدان والأعمار وفئات الدخل، غير أنّ أكبر ضحاياه هن الفتيات اللواتي يعشن في المناطق الريفية أو النائية  ومستواهن التعليمي متدن.

الزواج في كل المجتمعات الإنسانية ظاهرة اجتماعية طبيعية إذا ما توفرت فيها الشروط اللازمة قانوناً مثل النضج العقلي والبدني، لكن الزواج يصبح ظاهرة مرضية خارج هذه الضوابط، وهو ما نلاحظه اليوم في بعض المجتمعات. تخلف هذه المجتمعات ليس على علاقة بالتطور اللامتكافئ بين الدول بل بالمجتمع ذاته، وينتشر في دول جنوب الصحراء، وفي عدد من بلدان آسيا وفي بعض البلدان العربية.

من أهم البلدان التي بلغت معدلاً مرتفعاً لحمل المراهقات: النيجر، التشاد، مالي، غينيا، والموزنبيق حيث تنجب واحدة من كل 10 فتيات قبل بلوغها سن 15 عاماً. ينتشر الزواج المبكر في بعض الدول العربية نذكر منها اليمن، موريتانيا، العراق وبلدان الخليج. شهد هذا الموضوع في فترات متباعدة جدلاً كبيراً، مع وقوع حوادث أثارت ضجة عالمية مثل زواج القاصرات المصريات من بعض أثرياء الخليج العربي. وقد ذكرت وزيرة الدولة للأسرة والسكان المصرية أن دراسة حديثة أجريت على 3 مراكز بمحافظة 6 أكتوبر أظهرت أن نسبة زواج القاصرات بلغ 74 في المئة. تعاني اللاجئات السوريات اليوم من ازدياد في حالات الزواج المبكر، وبالتالي من أمومة مبكرة، تأتي غالباً في ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية جداً. أفاد تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بأن معدلات الزواج المبكر مرتفعة بين أوساط اللاجئين السوريين، و51.3% من النساء يتزوجن قبل بلوغ الثامنة عشرة.

ما يفاقم من مشكلة الأمومة المبكرة في الدول العربية هو أنّ الزواج المبكر يحظى بغطاء الدين وتشجيعه. يُستغل الإسلام في تبرير هذه الظاهرة لكونه لم يحدد سناً معينة للزواج. يضاف إلى ذلك الإشكالات القانونية، لأن المحاكم في بعض الدول العربية لا تعد زواج القاصرات استغلالاً جنسياً للأطفال يجب معاقبة من يقدم عليه، وهي غالباً ما تحكم بالبراءة للمتهمين بمجرد تقديمهم ورقة زواج عرفي أو مدني. يأخذ ذلك الاتفاق العرف بعداً قانونياً أكثر جدية في بعض الدول، ففي العراق مثلاً، لا تزال المحاولات مستمرة لتمرير مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري في البرلمان، وهو الذي يجيز الزواج بالقاصرات ذات التسعة سنوات. مشروع القانون، الذي وجد ترحيباً لدى الشارع الشيعي المتشدد، لا يزال يلاقي معارضة كبيرة من المجتمع المدني.

للأمومة المبكرة انعكاسات كبيرة على الفتيات اللواتي يقعن فيها. تتعرض الأمهات في سن الخامسة عشرة وما تحت في البلدان المنخفضة الدخل لخطر الوفاة النفاسية بمعدل أكبر بمقدار الضعفين عن الإناث الأكبر سناً. كما تواجه هذه الفئة الأصغر سناً معدلات أعلى بكثير للإصابة بعسر الولادة عن قريناتهن الأكبر سناً.

في البلدان النامية، تموت سنوياً نحو 70.000 مراهقة لأسباب تتعلق بالحمل والولادة. يرى تقرير الأمم المتحدة الذي صدر العام الماضي أنه من الضروري إتباع أسلوب جديد في التفكير إزاء التحدي المتمثل في حمل المراهقات، فبدلاً من النظر إلى الفتاة باعتبارها المشكلة ومطالبتها في  تغير سلوكها، ينبغي للحكومات والمجتمعات المحلية والأسر والمدارس، أن تنظر إلى أصل المشكلة المتمثل بالفقر وعدم المساواة بين الجنسين باعتبارها التحدي الحقيقي، والسعي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المنصفة على اعتبار أن ذلك يمثل الطريق الصحيح صوب التقليل من حالات حمل المراهقات.

التعليقات

المقال التالي