تعرّف على قوة صوت مطربك المفضّل

استخدم رصيف22 تطبيق octavechecker لقياس الأوكتاف (المساحة الصوتية) لمجموعة من الفنانين العرب، بدءاً بأم كلثوم، أسمهان، عبد الحليم، وصولاً إلى نانسي عجرم وهيفاء وهبي وإليسا. الجدول التالي هو محاولة لفهم ما نسمعه ولوضعه في إطار علمي، رغم محدودية الإمكانات التي اعتمدنا عليها. الأرقام التي حصلنا عليها توضح لنا، تقريبياً، مساحة الأصوات التي تم اختبارها ولا تقيس دفئها، جمالها أو إحساس صاحبها. الأغاني التي اخترناها كنموذج لصوت المطرب، أتت بناءً على عدة عوامل، أبرزها المساحة الصوتية التي يغطيها المطرب في كل أغنية.

download (12)


لماذا نُطرَب لصوتٍ معين. ما الذي يجعل صوتاً ما يمسّ مشاعرنا وأحاسيسنا، ولماذا نعشق نبرة مطرب أو مطربة معينة ويصبح هو الأقرب للتعبير عن أفراحنا وأشجاننا؟ هناك عدة عوامل تلعب دوراً في تحبيب أذن المستمع إلى صوت ما. من أهم هذه العوامل: قوة الصوت، ودفء الإحساس، والتمرس في الأداء. قديماً، كان العبء يقع في أغلبه على حنجرة المطرب، فأن تكون مطرباً مُجيداً كان يعني أن تمتلك صوتاً عريضاً يمكنه أن يغطي أعلى وأخفض درجات السلم الموسيقي. تقاس مساحة الصوت بما يسمى الديوان Octave وهي النغمات التالية Do, Re, Mi, Fa, Sol, La, Si وآخرها Do التي تكون أكثر حدّة من الدو الأولى والتي تسمى القرار، أما الأخيرة فتسمى الجواب، ويكون الفرق في الذبذبة الصوتية بين الدو الأولى والأخيرة الضعفَ، فإنْ كان تردّدُ الأولى 100 ذبذبة تنتهي الدو- الجواب بـ200  ذبذبة. هكذا كان المطربون القدامى يستعرضون أصواتهم نزولاً وصعوداً بين القرار (الطبقة المنخفضة) والجواب (الطبقة العالية). وكانت خامة الصوت المميزة، إضافة لحرفية المطرب، هي ما يلهب أحاسيس المستمعين، ويُطلق آهات الإعجاب.


تغيرت الحال الآن، ودخلت عوامل أخرى في تحديد شعبية هذا المطرب أو ذاك. فلم يعد الجمهور يتوقع مثلاً من مطربة في السادسة والستين من عمرها أن تدفع بالميكرفون بعيداً في غناء حيّ، وتغني مباشرة لجمهورها منتزعة تصفيقه وإعجابه بحنجرتها الذهبية، كما سبق أن فعلت أم كلثوم.



أصبح الاستعراض، من مظهر شخصي وإخراج مميز للفيديو كليب، وموسيقى راقصة يلعب أدواراً متقدمة على خامة الصوت، التي بات يمكن تنقيتها الآن في الأستديو. ولأن المقاربة العلمية للغناء والموسيقى في الوطن العربي لا تزال ضعيفة، تأتي هذه المحاولة لقياس مساحة الأصوات العربية، قديمها وحديثها، لترسم للمستمع العربي مخططاً يجعله يتعرف على أحد أهم الأسس التي يبنى عليها الصوت الغنائي.


الجدول السابق يعطينا نسباً تقريبية للأصوات التي تم قياسها. والأرقام التي تم الحصول عليها توضح مساحة الأصوات التي تم اختبارها، ولا تقيس دفئها أو جمالها. لكن كلّ هذه العوامل تكون مفهومة كعوامل منافسة ضمن الحدود المقبولة للصوت الغنائي، ومتى ما وجدنا أن الصوت لا يلبي الحد الأدنى من متطلبات الصوت الغنائي، نعرف حينها أن عوامل النجاح ترتكز على الاستعراض أكثر منها على القيمة الفنية للصوت بحد ذاته.


عبد الحليم حافظ، مثلاً، اشتهر بإحساسه وعذوبة صوته، رغم محدودية مساحته الصوتية. أم كلثوم تربعت على القمة لأنها جمعت في صوتها كلّ ما يمكن لصوت أن يتمناه من مساحة عريضة، ودفء في الأداء ونقاء في النطق، إضافة لحسن اختيار الكلمات والألحان. من مطربي الساحة الغنائية الآن، نرى أسماء لامعة، مثل ماجدة الرومي التي تجمع بين القوة والأداء المرهف، ونرى أصواتاً أخرى تجتذب الجمهور رغم المساحة الصوتية المتواضعة وذلك اعتماداً على أداء دافئ في حدود ضيقة.


من الضروري أن يقوم المختصون في عالمنا العربي بإدخال العلم في دراسة الأصوات الغنائية وتصنيفها، وفي هذا فائدة للمواهب الشابة التي تحتاج إلى أن تفهم قدراتها وتؤدي وفق حدودها، وفائدة للجمهور الذي يتمكن من أن يفهم، علمياً، كيف يميز بين الأصوات، ويضيف المعلومة للتذوق الفطري لهذا الصوت أو ذاك.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي