الأمن مقابل الحريات

الأمن مقابل الحريات

يشهد العالم العربي تطورات تشير إلى أن "الأمن" بات العامل الأهم في المنطقة، بعد مهلة قصيرة عام 2011 من اعتبار "الحرية" الهدف الأسمى الذي يمكن من خلاله تحقيق الأمن على المدى البعيد. ولكن "الأمن" ليس الاستقرار، فلا يمكن اعتبار أية دولة تشهد اعتقالات تعسفية وتمنع التعددية الفكرية دولة مستقرة، كما أن الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية لا تشير إلى استقرار حقيقي. نظرية جعل الأمن والاستقرار منافيين للحريات وبناء الدولة المؤسساتية، ليست فقط توجّه تتبناه القيادات العربية، بل حتى الولايات المتحدة التي تسعى علناً لوضع العامل الأمني فوق أي حساب آخر في المنطقة.


مع انتخاب – أو تتويج – المشير عبد الفتاح السيسي رئيساً لمصر هذا الأسبوع، تنتهي مرحلة انتقالية في البلد الذي اعتبر الأهم في دفع مسار التغيير خلال ثورات عام 2011. يأتي السيسي، رغم نسبة التصويت المتدنية ومقاطعة الملايين من الناخبين المصريين للانتخابات، لتكريس "حكم العسكر" والتوجه إلى قمع المعارضة بكل أشكالها، وليس فقط المسلحة.


الأنظار تتجه أيضاً إلى جنرال جديد في العالم العربي يطلب منه "انقاذ" بلاده: اللواء خليفة حفتر، الذي يقود حملة عسكرية في ليبيا، ضرورية من جهة للسيطرة على الانفلات الأمني، ولكن تلغي من جهة أخرى أساس شرعية الحكومة أو مؤسسات الدولة. الجماعات التي يصفيها حفتر فيها عناصر تستحق العقاب، ويجب تقديمها للمحاكمة، بينما فيها عناصر بريئة لن نسمع صوتها أو رأيها.


العامل المشترك للسيسي وحفتر أنهما لقيا دعم الولايات المتحدة في مسارهما، رغم الخطابات المطولة من الولايات المتحدة بأنها تدعم الحريات والحكم المدني. اللافت أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بدأت تطبق النظرية نفسها في العراق، إذ تدعم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في عمليات عسكرية واسعة في محافظة الأنبار منذ أشهر. بينما توجد عناصر متطرفة تابعة لـ"الدولة الاسلامية في العراق والشام" (داعش) وغيرها من مجموعات مسلحة تقوم بجرائم شنيعة في البلاد، فالقصف الجوي المتواصل منذ أكثر من أربعة أشهر مع عمليات عسكرية تشمل القتل والاعتقال العشوائي، من دون أي محاولة لوضع المحاسبة والمحاكمات في حساب الحكومة وداعميها. التوجه هنا أيضاً، هو في وضع "مكافحة الإرهاب" و"بسط الأمن" فوق أي اعتبار آخر.


مكافحة "الدولة الاسلامية في العراق والشام" والمتطرفين تأتي الآن ضمن التخطيط الاقليمي والدولي، وتعاطيهما مع الأزمة السورية. خفتت الأصوات النافذة من عواصم عربية واوروبية ومن واشنطن عن دعم حق الشعب السوري في تحديد المصير ومنع القتال والتهجير وجرائم النظام في سوريا، لتتحول بذلك إلى استراتيجية في مكافحة الإرهاب. انتقل التخطيط على المستوى الرفيع في الدول المعنية بالملف السوري من جهود "تغيير سياسي" في البلاد ومنع تفاقم الأزمة الإنسانية، إلى كيفية مكافحة الإرهاب. حتى الإعلان الأخير عن "المجموعة الأساسية" لأصدقاء سوريا في لندن بدعم المعارضة، جاء بناءً على "مكافحة الإرهاب"، إضافة إلى مواجهة نظام الرئيس السوري بشار الأسد.


نموذج اليمن، الذي يذهب البعض إلى اعتباره نموذجاً ناجحاً لعملية انتقال سياسي من دون إراقة دماء، يأتي أيضاً بشق أمني يضرب عرض الحائط باحترام الحريات وبناء دولة تعتمد القانون لمحاسبة من يحمل السلاح ضدها. تقوم القوات الأمنية اليمنية بعمليات عسكرية موسعة جنوب البلاد، خاصة في شبوة، وسط تعتيم اعلامي يمنع التدقيق بحقائق الضحايا الذين يسقطون هناك.


لا يمكن نفي وجود جماعات مسلحة خطيرة في دول مثل مصر واليمن وسوريا والعراق، تسعى هي أيضاً إلى إضعاف مؤسسات الدولة أو حتى إلغاء فكرتها أساساً. الدفاع عن الحريات واعتماد القانون لا يعني عدم الاعتراف بوجود تلك المجموعات، وخطورتها على العالم العربي، ولكن لا يمكن القبول بأن تكون مواجهة تلك المجموعات على حساب أي آمال ببناء دول تحترم سيادة القانون. كما أن التعاطف بين أبناء بعض مناطق تلك الدول يأتي من رفض سلطوية وظلم قوات مسلحة تقتل بدون تفريق.


هذه الميول ليست جديدة على العالم العربي، ولكن باتت ظاهرة الحلول العسكرية على حساب بناء دول مدنية معاصرة توجه السياسات الاقليمية والدولية في الفترة المقبلة. جاء خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما أمام كلية "ويست بويت" West Point العسكرية مساء أمس الأربعاء للتأكيد على هذا المسار. أوباما هو قائد القوات المسلحة لأكبر جيش في العالم، جيش له علاقات مع كل الجيوش التي ذكرت سلفاً، إضافة إلى الجيش السوري الحر والجماعات المرتبطة به، مما يعني أنه يؤثر على الكثير من تلك السياسات. أعلن في خطابه: "في دول مثل مصر، نقر بأن علاقتنا راسخة في المصالح الأمنية"، مع التصريح التقليدي بأن حكومته ستواصل "الحث على الاصلاح"، من دون ضغوط حقيقية.


بعد الحديث خلال السنوات الماضية عن دعم للتنمية الاجتماعية وخلق فرص العمل، أعلن أوباما أمس عن صندوق بقيمة خمسة مليارات دولار، ولكن "لمكافحة الارهاب"، لا للتنمية. سياسة "الحل الامني" باتت سياسة الولايات المتحدة رسمياً، ومعها حلفاؤها على الصعيد الدولي. أكد أوباما "نحن ندعم أمناً بعيدَ الأمد لا يمكن أن يأتي إلا من خلال الفرص والحريات للشعوب في كل مكان"، لكن الأموال والتدريبات والدعم الاميركي الفعلي كلها تتجه للحلول العسكرية، بينما الكلمات والخطابات مكررة "للحريات"!

التعليقات

المقال التالي