السيسي والإعلام المصري: غياب رؤية، أم تكسير عظام؟

السيسي والإعلام المصري: غياب رؤية، أم تكسير عظام؟

جو حار، مكتب خشبيّ من الأبنوس يحمل الكثير من ملامح الأبّهة، كرسي من الجلد الفاخر، علم ضخم لمصر يزين الركن الشرقي للحجرة.

صفوت الشريف "أمين عام الحزب الوطني" ورجل الإعلام القوي يتحدث لمجموعة من رؤساء التحرير، ورؤساء القنوات الفضائية بلغة آمرة قائلاً: "مش عاوزين بلبله للرأي العام، نسبة المشاركة كانت عالية، الإقبال كان كبير والشعب خرج يؤيد تفويضه للقائد عبد الفتاح السيسي، قائد ثورة 30 يونيو العظيمة. كلامي محدّد وواضح، اتفضلوا يا أساتذة، مع السلامه".

هكذا كان سيدير "صفوت الشريف" المعركة الانتخابية إعلامياً، لو أنه مازال في موقعه.

الهوس والهستيريا التي تعاملت بها وسائل الاعلام المصرية، القريبة أو المحسوبة على النظام الجديد، دعت البعض للمقارنة بين أسلوب صفوت الشريف في إدارة المشهد الإعلامي المصري، وما جرى البارحة على شاشات التلفزة. الارتباك كان واضحاً والانهيار النفسي كان جلياً.

التوتر وصل إلى درجة دفعت مصطفى بكري، الإعلامي القريب من دوائر السلطة، أن يتهم من لن يذهب للتصويت بأنه خائن للوطن، حيث أن مصر في حالة حرب على حد زعمه. أما توفيق عكاشة، المحسوب على النظام فقد وصف الشعب بأنه "كييف يتضرب على قفاه". طالت الهستيريا كذلك آخرين، أمثال ابراهيم عيسى، لميس الحديدي، عمرو اديب، الكل كان يصرخ ويهاجم الشعب متهماً إياه بالتخاذل والخيانة.

لكن، من هو صفوت الشريف الذي يترحم على أيامه أنصار النظام السابق؟ اسمه "محمد صفوت الشريف" من مواليد 1933. بعد تخرجه من الكلية الحربية، التحق بالعمل في جهاز المخابرات حتى فصله منه سنة 1968 في القضية التي عرفت إعلامياً باسم قضية "انحراف جهاز المخابرات"، والتي أطاحت بكل رجال صلاح نصر، رئيس المخابرات القوي، في عهد جمال عبد الناصر.

لم يلبث الرجل كثيراً في ظل "الانحراف"، فقد عاد للظهور مرة أخرى في عهد الرئيس السادات، لكن هذة المرة وكيلاً للهيئة العامة للاستعلامات، وهي الجهة المنوط بها التعامل مع وسائل الإعلام الأجنبية. بعد تولي مبارك الرئاسة سنة 1981، أسند إلى الشريف مطلع العام التالي منصب وزير الإعلام الذي ظل فيه 22 سنة متواصلة.

كان الشريف مسؤولاً عن السياسة الاعلامية المصرية، وهو صاحب مصطلح "عصر الريادة الاعلامية". وكان يفخر دائماً بأن "إعلامنا غير قابل للاختراق" في اشارة إلى سيطرته التامة على كل وسائل الميديا، وتحكّمه فيما ينشر وما لا ينشر.

من النوادر التي تروى عنه أنه قال: "حمدين صباحي فاكر إنه هيغير العالم لو طلّع جرنال (صحيفة)، أدّوله ترخيص للجرنال اللي هو عاوزه، خلوه يغرق في الديون والمشاكل".

هكذا كان يفكر الرجل ويدير المشهد. قدرة رهيبة على التلاعب والخداع، ومهارة فائقة في توريط الكلّ في المشاكل أو الفساد. الكذب ثم الكذب الممزوج بمزيد من الكذب، كان المنهج المتبع. ففي مشهد مثل مشهد العزوف المصري عن المشاركة في الانتخابات، لم يكن الرجل ليسمح بالحديث عنه أو ذكره، بل إنه كان سيحرص على أن تطالعنا كلّ الصحف والمحطات الفضائية بمنشتات وفيديوهات تشي بحجم مشاركة غير مسبوق في التاريخ، وكنا سنسمع عبارات من نوع "مرة أخرى المصريين يبهرون العالم"، أو "الملايين تفوض وتبايع من جديد" أو "الشعب يختار قائده".

ولو سأله أحد عما تقوله وسائل الاعلام الغربية من عزوف واضح عن المشاركة، فستكون الاجابة كالتالي: "كذب ومؤامرة على الشعب وقائده"، أما الشباب المقاطع فسينكر وجوده كذلك، مؤكداً أن الشباب هم أمل الوطن وجند المستقبل، وحملة لواء التغيير.

مشهد أمس جعل الكثيرين يقولون إن السيسي (حتى الآن) لم ينجح في إحاطة نفسه "بكفاءات" مثل التي كانت تخدم مبارك، فالملعب السياسي يفتقد الأخطبوط "كمال الشاذلي" القادر على التشبيك مع العائلات والقبائل والعصبيات، والساحة الاعلامية لم تفرز بعد مثل العبقري "صفوت الشريف" المبدع في تزييف الوعي وقلب الحقائق، فالفريق المحيط بالمشير، على حدّ وصف أحد المقربين منه "مفيهوش اسطوات".

على صعيد آخر، هناك من يقرأ المشهد بصورة مغايرة، فالبعض يرى أن ما حدث لم يكن نتاج قلة خبرة أو عشوائية إدارة، بل إنه متعمد ومقصود. المتابع للاعلام المصري يعلم جيداً أن الخطاب الموحد "تقريباً" لكل مقدمي البرامج عن عزوف الناس، وهذه البكائية المشتركة على كل الشاشات من المستحيل أن تكون وليدة الصدفة، فتوحيد الخطاب هذا يعني بوضوح أن هناك من أصدر أوامره بإرسال هذه الرسالة للجميع. البعض يفسر الأمر بأن رجالات المال (المسيطرين على الاعلام) يرسلون رسالة للسيسي الذي دأب على مهاجمتهم في الفترة الأخيرة. والرسالة هذه فحواها: "نحن قادرون على إحراجك، من دوننا لن تستقيم الأمور. لا تظن أنه يمكن إخراجنا من المشهد، تعاونك معنا خير لك من معاداتنا".

هذا هو ما عبر عنه "تامر وجيه" الإعلامي والناشط البارز قائلاً: "دلوقتي السيسي متعلق من رقبته، واللي ماسك الحبل هما الفلول وجهاز الدولة القديمة. لو اشتغلوا صح ياخد أصوات، ولو مشتغلوش يضيع. بس لو خد أصوات بسببهم، هتبقى عينه مكسورة، وهو المطلوب، عشان التوازن بين الجيش والدولة القديمة يتعدل شوية: أنا بديك أصوات، وإنت بتديني دبابات وانقلابات".

الشارع المصري انقسم من جديد ما بين حزين وشامت، متشكك ومترحّم على أيام خلت. لا أحد يجزم أنه يفهم حقيقة ما يحدث، لكن المؤكد أننا نشهد فصلاً جديداً من فصول ثورة لم تكتمل، وأن لا أحد يدري إلى أين يفضي المآل.

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي