مقالب جريئة، تضع مكانة الأستاذ على المحك

مقالب جريئة، تضع مكانة الأستاذ على المحك

حكايا الطلاب كثيرة حول مقالب دبّروها لمعلميهم. منها ما هو مضحك ولا يخرق حدود الأدب، ومنها ما يتجاوز الجرأة لينال من هيبة المعلم. سلوكٌ لم يكن أساتذة الأمس على عهدٍ به، وصار يُصنّف اليوم في خانة "الفلتان". بعد مقولة "من علّمني حرفاً صرت له عبداً" و "كاد المعلم أن يكون رسولا"، هل فقد الأستاذ حقاً مكانته؟

من منّا لم يسمع عن بعض فصول المشاغبة؟ أستاذ تلقى طبشورة على ظهره، وآخر رُمي بالحبر على قميصه أثناء كتابته على اللوح؟ أستاذ يصوّر دون دراية منه، وتُعرض صوره على الفايسبوك، وأستاذ آخر يصفعه تلميذ.

لقد تغيّرت الأولويات، فبين استخدام وسائل التكنولوجيا والهواتف الذكية أثناء شرح الدرس، إلى أستاذ يقدم مادته من فوق غيمة وهمّه ربما راتب آخر الشهر، وفي ظل مدارس تجارية تنمو كالفطر، غدا الصف في بعض الحالات شبيهاً بمسرح كوميدي. لا يمكن تعميم ذلك على أساس ظاهرة جديدة، ولكن في أغلب الحالات، صارت هيبة الأستاذ على المحك، إن لم يسعَ بكامل ملكاته العقلية ومهاراته الكلامية لفرضها.

لدى تيما (19 سنة) أفكار مبدعة في تأليف الحيل والمكائد لمعلميها وتقليد حركاتهم. اقترحت مؤخراً على رفاقها في الصف كسر مسكة الباب، حتى لا يتمكن أي استاذ من دخول الصف. تيما، أو دينمو الشرّ، كما تسمّي نفسها سريعة الملل وتحب المدرسة فقط بسبب الأصدقاء. مللها هذا حدا بها لترك حصة الرياضيات، وذلك أثناء شرح المعلمة للدرس. راحت وأصدقاء لها تدخل صفوفاً مجاورة، وهم يغنون، والمعلمة تركض وراءهم وتنهرهم دون طائل. حتى تهديد ووعيد الناظر العام لم يحرّك فيهم سوى مزيد من السخرية والقهقهة.


تبقى معلمة اللغة العربية، بحسب تيما، وهي صاحبة القلب الطيب، الأكثر عرضة لمقالبها. تقول تيما: "في إحدى المرات أثناء إلقائي لإحدى القصائد، توقفت عند كلمة "قد" ولم أتذكر الباقي فرحت أغني "قدّكَ الميّاس يا عمري" وصفق لي رفاق الصف بإعجاب". صديقتها أيضاً عندما نسيت بقية القصيدة عند حرف الألف، قالت للمعلمة "أتأخذين ألف ليرة وتكملين عني"!


حصة الفراغ هي أحب المواد على قلب علي (17 سنة) الذي لا يهاب أحداً بحسب قوله. منعتهم الكاميرات التي وضعتها الإدارة في الصف من الإفراط في الشغب. رغم ذلك، فهي لم تمنعهم عنه بالمطلق، كأن يتركوا المياه على كرسي أستاذ الكيمياء، أو يلوثوا قميصه بالطبشور. هذا الأستاذ الملقب بـ"السنفور"، بحسب علي، ضعيفُ الشخصية ولا يتجرأ أن يطرد أحداً من الصف، إذ "أنهم قد سألوا عنه أبناء منطقته"! أما في المدرسة الرسمية التي كان علي يرتادها منذ سنتين، فقد كان بإمكانه أن يخطط للمقالب براحة مطلقة. كانوا مثلاً يغطون الأرض بشرائط التلصيق التي تلصق بحذاء أستاذ الرياضيات فيخلعه أمامهم. تبقى أكثر الفصول إثارة للضحك بنظره، عندما كان يبقى في الملعب أثناء حصة أستاذ التاريخ، الضعيف النظر، ورفيقته تسمّع الدرس عبر قراءة الكتاب، وتفعل ذلك عنه وعن رفيقيه أيضاً، "كانت علامتي على مادة التاريخ يومها 20/20" يقول علي مستهزئاً.

سمير (50 سنة) هو مدرس للرياضيات. أمضى حوالي 25 سنة في التعليم حتى صار يعرف طبع تلاميذه من مجرد النظر إلى عيونهم. يقول سمير، في الماضي كان للأستاذ وبطبيعة مهنته هيبة بدأ يفقدها سنة بعد أخرى. فهو اليوم، إن لم يكن متحكماً بصفه وفارضاً هيبته منذ بداية العام الدراسي، لن يتقيّد تلاميذه بأي قانون. في الماضي، يقول أستاذ الرياضيات، عندما كنت أرى أستاذي ماراً من شارع ما، كنت التف وجلاً إلى شارع آخر لأنني لا أملك الجرأة كي  أحادثه. يعتقد الأستاذ سمير أن الأولويات تغيرت، وكذلك نظرة الطالب إلى معلمه من صاحب رسالة إلى مجرد موظف.

رغم ذلك، الأسلوب التربوي في الماضي لم يكن خالياً من الشوائب. إذ كانت الهوة كبيرة بين المعلم وتلميذه. عادل (63 سنة) كان أستاذ اللغة العربية لصفوف الإبتدائي في إحدى المدارس الخاصة، بينما كان لا يزال بعد طالباً في الثانوية. احترم عادل تلاميذه وهم بادلوه الاحترام، كما يقول. في المقابل، "كان في مدرسته الرسمية، أساتذة لا يفقهون شيئاً في معاملة الطلاب" بحسب قوله. منهم من كان ينادي طلابه بتعابير نابية ومسبّات. يجلس الأستاذ على كرسيه ويكلم طلابه من فوق. من يخطىء أو يقصر منهم، فعصا شجرة الرمان كانت مصيره. كان الأستاذ حينها يعتبر من علية القوم، وكانت مهنة التعليم ذات قيمة اجتماعية عالية.

التعليقات

المقال التالي