قذائف الهاون، الثابت الوحيد في يوميات السوريين

قذائف الهاون، الثابت الوحيد في يوميات السوريين

قصف طائرات الميغ العنيف، آخر أخبار مرشحي الانتخابات الرئاسية والمسيرات المؤيدة، تزايد النزوح واللجوء، هي العناوين التي تتصدر وسائل الإعلام العالمية والمحلية عن ما يحصل في سوريا، وتغيب عنها تماماً أخبار السلاح البدائي، قذائف الهاون، وما تحصده من أرواح وخسائر في المباني والبنى التحتية.


لقد أصبح هذا السلاح جزءاً عادياً من يوميات السوريين الذين لم يتوقعوا يوماً أن استعمال كلمة الهاون سينتشر في حياتهم كأي شيء آخر. يمكننا تلمّس ذلك بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن خلال صفحات توثقها، مثل صفحة يوميات قذيفة هاون علي فيسبوك.


تحصد هذه الصفحة أكثر من 110.000 لايك حتى اليوم. فور صدور أي صوت لوقوع قذيفة، تبدأ التكهنات حول مصدر سقوط هاون جديد، ما يفتح الباب واسعاً أمام تبادل الاتهامات ورمي مسؤولية الجرائم المستمرة على مختلف الأطراف المتصارعة.


تبادل التهم  

تتساءل الأطراف المعارضة "لماذا لم تُستهدَف مسيرات التأييد والاحتفالات الكبرى التي أقيمت في ذكرى ميلاد حزب البعث وسط دمشق مثلاً، أو من تكون هي الجهة المسؤولة عن إطلاق قذائف الهاون على قافلات المساعدات الغذائية والطبية للمناطق المحاصرة في حمص"؟ فيجيب الطرف الآخر رادّاً على التهمة "ما هي مصلحة النظام في استهداف الأقليات والمناطق الآمنة وارتكاب هذه الجرائم الإرهابية"؟


35 قذيفة هاون هو المعدل الوسطي الأسبوعي لعدد القذائف المتفجرة التي تتساقط على أحياء دمشق وجزء من ريفها الواقع تحت سيطرة قوات الجيش النظامي وعناصر تابعة لأمن النظام السوري. تشهد هذه المناطق في الأسابيع الأخيرة غزارة في تساقط قذائف الهاون، خصوصاً في جرمانا الواقعة على طريق مطار دمشق الدولي الذي أمّنه الجيش العربي السوري مؤخراً. تعد ضاحية جرمانا، المحاطة بمناطق متوترة أمنياً كـ"المليحة، بيت سحم، وادي عين ترما" منطقة سكنية ذات غالبية مسيحية ودرزية، تعتبر موالية للنظام حسب رؤية المعارضة وموقفها من هذه الفئة من السوريين. هذا إضافة إلى كثرة النازحين من المناطق الساخنة إلى جرمانا، ما يدفع الأهالي إلى إلقاء اللوم على النازحين، معتقدين أنهم وراء تفجر الوضع الأمني في منطقتهم. لا يكاد يمر يوم واحد دون أن ينهال عليها ما لا يقل عن عشرين قذيفة هاون، وفي مناطقها الأكثر حيوية وازدحاماً. تحتل المرتبة الثانية بعد جرمانا، منطقة الدويلعة ذات الأغلبية السكانية المسيحية، أما سكان منطقتي القصاع وباب توما وساحة العباسيين المتاخمة لمناطق التوتر العسكري  "جوبر، عين ترما"  فليسوا أحسن حالاً، إذ تسقط قذائف الهاون كل يوم تقريباً في واحد من شوارعها أو مدارسها أو مشافيها أو كنائسها. حتى منطقة المزة 86 ذات الأغلبية العلوية، لم تسلم بدورها من الهاون، إذ تتعرض بين الحين والآخر لسقوط العديد منها في حاراتها الضيقة والمكتظة بالسكان، مما يزيد من حجم الخسائر.


الهاون قريب من القصر الجمهوري  

ما يثير الاستغراب هو وصول هذه القذائف إلى قلب المنطقة الخضراء، التي تعتبر من أكثر المناطق الأمنية حماية من قبل قوات النظام، فأحياء راقية مثل المالكي وأبو رمانة وساحة الأمويين ومحيطها، ونخص هنا دار الأوبرا والمعهد العالي للفنون المسرحية، حتى حدود منطقة المهاجرين على سفح جبل قاسيون، حيث يقع مقر القصر الجمهوري المحاط بالحواجز الأمنية والعسكرية من كافة الجهات، أصبحت كلّها تحت مرمى قذائف الهاون.


نتيجة لهذه الحالة، كان قدر آلاف الشهداء أن يسقطوا ضحية فوضوية الصراع العسكري. نيكول بربارة مثلاً، ابنة الأربعة عشر عاماً، راحت ضحية قذيفة هاون استهدفت سوق القصاع الشهير وهي تنتقي لوالدتها، هدية لعيد الأم. كذلك كانت حال أطفال مدرسة المنار، في باب توما، الذين سقطوا ضحايا إحدى هذه القذائف التي تزامن موعد سقوطها مع تجمعهم لأداء تحية العلم الصباحية، فسقط الطفل سنار مطانيوس  قتيلاً مع 60 من زملائه أصيبوا بجروح بليغة. إزاء هذه الحالة انتشرت أغنية لمطرب راب سوري "ظلموكي البشر" تبرز كلماتها عبثية الموت السوري الذي يطال أطفالاً أبرياء "الطفل رايح على مدرسته عم يودع أمه، خايف من قذيفة هاون طايشة لتنزل تلمه".

 


موقف ذوي الضحايا المحتملين

تتجدد دعوات ونداءات كثيرة من قبل الأهالي لإيقاف التعليم خوفاً على أطفالهم، إلا أن الجهات الرسمية لم تستطع حتى اليوم اتخاذ قرار كهذا، فالحرب قد تطول أعواماً أخرى. إصرار السوريين على الحياة بدا واضحاً من بداية الأزمة التي جعلتهم يسلمون أمورهم للقضاء والقدر ويتعايشون مع حكايا الموت اليومية، ومع عبارة "نيران صديقة" التي نسمعها يومياً في المناطق الشهيرة باستقبال الهاون، وذلك عندما تضل القذيفة المطلقة من أحد الفروع الأمنية هدفها ليدفع المدنيون العزل ثمن عدم دقة هذا السلاح من جهة، ووجوده بيد أشخاص لا يمتلكون الخبرة الكافية من جهة أخرى.


في منطقة التضامن، جنوب العاصمة دمشق، يتهامس العسكر المنتشرون فيها بأن قذيفة الهاون هذه المرة مصدرها "نيران صديقة"، محاولين التعتيم على الموضوع كي لا يحدثوا أي تشويش على جموع الناس المؤيدين، وكثيراً ما يحدث هذا الخطأ من قبل المعارضة المسلحة التي تفشل في الوصول لهدفها الأمني أو العسكري، فيبقى الخاسر الوحيد هو المواطن السوري الذي يتساءل من دون جدوى: "إلى متى سيستمر هذا الموت العبثي والرعب الجنوني، ولمَ لمْ تشكل حتى اليوم لجان فعلية لمعاينة الأماكن التي يسقط فيها الهاون"؟


يبقى الهاون جزءاً من الحرب العبثية التي يحترق السوريون في أتونها، فهذا السلاح، رغم بدائيته، يخطف حياة السوريين يومياً، دون أن تكلف وسائل الإعلام الرسمية والمعارضة نفسها عناء تغطية أخبار هذه القذائف بشكل دقيق، فتبقى أسرارها بين التضليل والتعتيم.

التعليقات

المقال التالي