مقابلة مع أمير الغساسنة غـاريوس بن النعمان

مقابلة مع أمير الغساسنة غـاريوس بن النعمان

أثناء تركهم اليمن هرباً من انهيار سدّ مأرب، استقروا فترة من الزمن قرب عين ماءٍ تسمى "غسّان"، وعرفوا منذ ذلك الحين بالغساسنة. هؤلاء أسسوا مملكتهم في الأردن وجنوب سوريا حيث استقروا، ليمتد حكمهم من عام 220 م. في عهد جفنة بن عمرو، وينتهي في عهد جفنة بن الأيهم عام 638 م. على يد الجيوش المسلمة عقب معركة اليرموك.


اليوم في البرازيل، ثمة أمير يقول إنه الوريث الشرعي لأسرة الغسانية المالكة، وحصل بالفعل على اعتراف محكمتين (برازيلية وأمريكية) بحقه في العرش الغساني. يجلسالأمير غاريوس بن النعمان بن المنذر اليوم على رأس ما يدعى "البيت الملكي الغساني"، الذي يتخذ من بيفرلي هيلز (كاليفورنيا) مقراً له، ويصف نفسه بأنه رئيس جمعية "دولية، غير ربحية، غير سياسية، علمانية، ثقافية، تعليمية وخيرية". قام بتأليف كتاب عن "القانون الدولي المتعلق بالألقاب والتشريفات، والحقوق التاريخية للسلالة الغسانية" بعنوان "علم السلالات الحاكمة والنبالة- نهاية الخرافة"، الذي يوصف على موقع البيت الملكي بأنه "الوحيد باللغة الإنكليزية عن هذا الموضوع"، إضافة لأدائه عدة أغنيات لإلفيس بريسلي وفرانك سيناترا، والمشاركة في كتابة أغنية"أخيراً حراً" Finally Free لجوليا مالمان Julia Mallmann. رصيف 22 أجرت معه الحوار التالي.


السؤال الذي يطرح نفسه في البداية، لماذا تقوم أنشطة البيت الملكي في البرازيل والولايات المتحدة الأمريكية، بدلاً من المنطقة العربية حيث موطن الغساسنة؟ 

القدر كان أحد الأسباب. اضطرت عائلتي إلى الهرب من جبل لبنان إلى البرازيل، التي تأوي اليوم أكبر جالية عربية خارج الشرق الأوسط. هناك أيضاً جاليات رئيسية أخرى في أمريكا الشمالية، والغالبية العظمى من عائلاتها غسّانيون. حوالي 80% من الغسانيين اليوم يعيشون في الغرب، معظمهم توقفوا عن التكلم بالعربية، لصالح البرتغالية والإسبانية والإنكليزية. بفضل ولادتي في المنفى، كبرت متحرراً من أي تدخل أو تعصب أيديولوجي. السبب الآخر هو الأمر الواقع. ليست هناك أي حاجة لبيت ملكي لمملكة ميتة إذا لم يكن الوضع ملائماً في مجتمعنا الحديث. أحد أهم مهامنا هي أن نثقف الغرب حول الشرق الأوسط، وليس حول الغساسنة فقط. دور الغساسنة منذ الماضي أن يكونوا هذا "الجسر"، وسنتابع هذا الدور اليوم. كما فتحنا مؤخراً مكتباً دائماً في دبي.

مملكة الغساسنة اندثرت في القرن السابع على يد الجيش الإسلامي، ألا تعتقد أن محاولة استرجاع إرث مملكة اندثرت، على يد أكثر الأديان انتشاراً بين العرب، فيه بعض الاستفزاز لمشاعر المسلمين؟

فقط الدوائر الأكاديمية العليا تعرف التاريخ الحقيقي للغساسنة. أول دولة غسانية انتهت في القرن السابع، ورغم ذلك، حكمت السلالة الغسانية حتى سنة 1747 م. في الزاوية (لبنان). عدة باحثين، مثل عرفان شهيد وياسمين زهران وأوليغ غاربر، يوافقون على أنه بعد سقوط المملكة الأولى، حافظ عدة أمراء على إماراتهم في كل أنحاء الشرق الأوسط، حتى إسبانيا. وبعد ذلك، بقي أسلافي المباشرون في جبل لبنان حتى نهاية القرن الثامن عشر. وكما هو معروف في القانون الدولي، بغض النظر عن حجم وقوة الدولة، قانونياً لا يتغير شيء. كثير من الغساسنة مسلمون الآن، الإسلام دين جميل والبيت الملكي لا يحمي فقط المسيحيين في الشرق الأوسط، ولكنه يحمي أيضاً المسلمين في الغرب. نحن لا نحاول إعادة تأسيس مملكة على الأرض في البلاد المسلمة. إن دورنا ليس سياسياً ولا دينياً، لذلك ليس هناك ما قد يثير استياء المسلمين. نحن منظمة غير حكومية نحاول أن نستفيد من حظوة تقليدنا التاريخي الملكي لندعم حقوق الإنسان.

في الكثير من المنشورات الخاصة بالبيت الملكي، سواء الإلكترونية أم الورقية، تقدّمون وريثاً لمملكة المسيحيين العرب. هل تعتقدون أن طرحاً بهذا الشكل مقبول اليوم في ظل كل الصراعات الداخلية - السياسية والمسلحة - التي تعصف بالدول العربية، والتي يعود الكثير منها لجذور طائفية؟

لقد اعترفت بي قانونياً محكمتان دوليتان (ملزمتان في 148 دولة في العالم) وريثاً لـ"الدولة الملكية لغسان وسلالتها وألقابها". "الدولة الملكية" هي كيان قانوني غير مادي في القانون الدولي، تمثله قوانين حكومية على الأرض. وفقاً للقانون الدولي في ما يتعلق بالنظام الملكي المخلوع، طالما ليس هناك استعداد وتعبير واضح عن الرضوخ لنظام الحكم الجديد أو قبول بقطع السلالة، فإن في هذه "الدولة الملكية"، هذا الكيان غير المادي، يمكن للورثة القانونيين المطالبة بها. أنا أبحث عن حلول، ولست أبحث عن سلطة سياسية. أريد أن أساعد الناس ليعيشوا بكرامة. وأنذر حياتي لأخدم الشرق الأوسط، ولا أطلب أي شي بالمقابل.

 

أصول أسرتكم القريبة تعود إلى لبنان، الذي يعتبر مثالاً للتقسيم السياسي الطائفي، والكثير من الزعامات المحلية اليوم تسيطر على المشهد المسيحي في لبنان. هل من صلات ثقافية أو شخصية مع أي من هذه الزعامات؟ 

لدي عائلة في لبنان، الكثير منهم سياسيون، ولكن لست على تواصل مباشر معهم. أكنّ لهم الاحترام ولكنهم ملتزمون بالسياسة، على عكسي. كوني على رأس البيت الملكي، فأنا ممنوع من الخوض في السياسة. السبب بسيط جداً؛ عندما تذكر حزباً سياسياً، بكلمة "حزب" فإنك تعني "جزءاً" أو شريحة. كرأس البيت الملكي، علي أن أخدم الجميع، وليس جزءاً فقط، لذلك إذا رأيتني يوماً ما مرشحاً لأي حزب في أي مكان، أرجوك لا تصوّت لي.


ضمن ما تسمّونه "أبناء إبراهيم"، تقدمون طرحاً يقول بالسلام بين أبناء جميع الأديان، وهو أمر جميل، ولكن ألا تعتقدون أن التركيز على موضوع اليهود في بعض المنشورات يوحي بأنكم تدعمون التطبيع مع إسرائيل؟

أولاً، علينا أن نفرق بين اليهودية والصهيونية. ثانياً، كي نجعل أمراً ما ينجح بعد عدة محاولات فاشلة، علينا أن نبتعد عن فرضية أن الاستراتيجية المُستخدَمة لا تفيد. برأيي، وتحديداً من وجهة النظر العربية، من الواضح أن النهج الحالي غير نافع. إسرائيل موجودة، ومهما فعل العرب ستبقى موجودة. فلننسَ فكرة أنهم سيستيقظون يوماً ما قائلين: "أتعلمون؟ أنتم محقّون، ونحن المخطئون، فلنغادر هذا المكان"، ليس لديهم مكان آخر ليذهبوا إليه؛ وفقاً لبعض الساسة الإسرائيليين هذا "سلاحهم السري"، إلى جانب الأسلحة النووية. إذا استمر الطرفان في لعب لعبة "من المحقّ ومن المخطئ" ستستمر المعاناة إلى الأبد، وتكون أكثر ألماً بالنسبة للطرف الأضعف، أي الفلسطينيين. علينا أن نكون عمليين، إن مشروع "أبناء ابراهيم" لا يعني: "فلننسَ الماضي ولنكن جميعاً أصدقاء!"، في الحقيقة هو يعني، "بما أن علينا أن نحيا جنباً إلى جنب، فلنجد أفضل طريقة لتحقيق ذلك"، لا نستطيع أن نغير الماضي، ولكننا نستطيع دائماً أن نغير المستقبل.

سوريا من الدول الرئيسية التي يعود إليها أصل الغساسنة، وأقاموا فيها لآلاف السنين، هل هناك ما تقوم به مؤسستكم من ضمن نشاطاتها الخيرية أو الثقافية للاعتناء بملايين اللاجئين والمشردين وضحايا الحرب فيها؟

سوف ننشط في مجالين. الأول هو تثقيف الغرب، ورفع مستوى الوعي، لقد عملنا بنشاط مع جميع وسائل التواصل الاجتماعي لمنع الولايات المتحدة من قصف سوريا، والشكر لله نجحنا في ذلك. كتبت كتاب "الشرق الأوسط: التاريخ السري والحلول الممكنة"، وسيتم نشره باللغة الإنجليزية الشهر المقبل، كما سأقوم بجولة محاضرات أثناء الفصل الثاني في الغرب. لكن بدايةً، سأزور الشرق الأوسط في يوليو المقبل، وأنوي زيارة مخيمات اللاجئين في الأردن والتطوع شخصياً هنسمحوا لي بذلك. حالما أصل إلى هناك، سأبحث شخصياً فيما نستطيع أن نقدمه من مساعدة أفضل.

 

ما الذي تتمنونه لمستقبل المنطقة العربية في ظل التغييرات التاريخية التي تعصف بها؟

أعتقد أن الإصلاحات السياسية التي قام بها ملك الأردن وملك المغرب ستؤدي لاستقرار أكثر وستكون ناجحة. أنا قلق حقاً على المسيحيين في الشرق الأوسط، الناس لا تدرك أنهم يواجهون خطر إزالةٍ تامةٍ خلال العقود القليلة القادمة. إنه أمرٌ فظيع ويثير قلقي. باعتقادي يجب أن نغير عقليتنا، وقد ابتكرت مبدأً فلسفياً أسميه "التراضي الاجتماعي"، يمكن تطبيقه في أي صراع في الشرق الأوسط؛ فلنتخيل زوجين في منزلهما يخوضان نقاشاً نهائياً حول علاقتهما، ثم يبدأ منزلهما بالاحتراق، ماذا عليهما أن يفعلا؟ يقول مبدأ التراضي الاجتماعي أن عليهما أن يوقفا النقاش مؤقتاً بما أن هناك طارئاً أكثر أهمية، ألا وهو نجاتهما. الأولوية هي إيقاف النار، هذا ما يجب تطبيقه في صراعات الشرق الأوسط.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

كلمات مفتاحية
الأقليات

التعليقات

المقال التالي