سيرة "عتّال"

سيرة "عتّال"

اضطررت إلى الكذب على أمي عندما اتصلت بي قبل أيام. كان اتصالاً هاتفياً سريعاً. سألتْني، ماذا تعمل؟ أين تسكن؟ أجبتها بأنني صرت محاسباً في شركة "كبيرة" لاستيراد وتصدير السكر والرز في الأردن، وأنني أسكن في بيت جيّد، له نوافذ كبيرة، ويطل من إحدى جهاته على حديقة. أمي، التي تفصل بيني وبينها الحدود والحرب، لا تعرف أن ابنها البكر، الخريج الجامعي، الذي قضى حياته في القراءة عساه "يصبح شيئاً"، ليس أكثر من "عتّال" في مستودع لتخزين السكر والرز، ولا يتجاوز أجره اليومي 4 دنانير. كيف لها أن تعرف أنني أسكن مع أشخاص آخرين في غرفة صغيرة داخل قبو مسجد!

عندما وصلت إلى الأردن، نازحاً أو هارباً من درعا، لم يكن أمامي أية فرص. ليس لديّ مال، ولا أعرف أحداً هنا. كان الأصدقاء الذين ظنوا أن ذهابي إلى الأردن سيفتح أمامي أبواباً جديدة... مخطئين. المال القليل الذي عانى معي مرارة اجتياز الحدود مشياً على الأقدام، نفذ بعد أيام. إذاً، ما الحل؟

بدأت بحثي عن عمل في إربد. قضيت أياماً وأنا أجوب شوارع المدينة. لكنني لم أعثر على أي شيء. لم تنفعني شهادتي، ولا خبرتي في إدارة مقاهي الإنترنت، ولا حتى بعض المقالات والنصوص التي كتبتها. مئات الكتب التي قرأتها، والتي اعتنيت بترتيبها على رفوف مكتبتي، لم تشفع لي أيضاً. كنت مضطراً إلى العمل في أي شيء... وهذا ما حصل!

وافق صاحب المستودع على تشغيلي. بالطبع، لم أخبره أنني جامعيّ ومهووس بالقراءة والكتابة. اضطررت إلى أن أريه الجانب "الحيواني" القويّ مني. هكذا انضممت إلى قائمة من الحمّالين، مؤلفة من عمّال سوريين، وآخر مصريّ.

هذه الحال، أو هذا العمل، ينسحب على الكثير من السوريين النازحين إلى الأردن، مثقفين كانوا، أم جامعيين، أم أطفالاً. يعمل معي أحمد، ابن حيّ بابا عمرو الحمصي، الذي لا يتجاوز عمره 11 عاماً، وكذلك فادي، من بابا عمرو أيضاً، الذي لا يتجاوز عمره 13 عاماً. يحمل الطفلان، يومياً، مئات الكيلوغرامات على ظهرهما، كي يعيلا عائلتيهما النازحتين.

اليوم، مضى عليّ شهران في هذا العمل. يبدأ يومنا عند السابعة والنصف صباحاً، وينتهي في السابعة مساء. نقف في الشارع، منتظرين السيارة، وهي باص يحتوي على 22 كرسياً، التي ستقلنا إلى المستودع. في الذهاب، يسمح لي مكان الغرفة/ القبو التي أسكنها، أن أجد مقعداً في السيارة، لأنني أصعد قبل غالبية العمّال. أما مساء، فغالباً ما أظل واقفاً بين صفوف المقاعد الممتلئة بـعتّالين يفوق عددهم عدد مقاعد الباص.

سوريون كثر حالهم كحالي، اشتغلوا هنا أياماً ثم تركوا العمل. كانت الإهانات التي يتلقونها سبباً رئيسياً في تركهم العمل. أتحدّث هنا عن إهانات مباشرة، من صاحب العمل الذي يملك ملايين الدنانير، ومن مساعديه الذين يتسلّون بمعاملتنا معاملة السيّد للعبد. أتحدث عن هذه الإهانة، ولا أتحدث عن إهانات عابرة، كأن نمرّ يومياً بالباص، بثيابنا وشعورنا المغبرّة، من أمام الجامعة، حيث الطالبات الجميلات متزينات بأحدث ما أنتجته الموضة، ينظرن إلينا من أطراف عيونهنّ، وأنا أكاد أموت من خجلي. فكرت كثيراً، لو أنني نزلت من الباص كي أناقشهنّ في الفكر والتاريخ والفلسفة والأدب واللغة العربية، إلا أنني لطالما تراجعت عن الفكرة كلما تذكرت الثياب المغبرة التي أرتديها، والتي ستجعلهنّ يخفن مني لو اقتربت منهنّ!

كثيراً ما تمنيت، كلما تألمت من عملي، أن أغمض عينيّ لأصير في عالم آخر. تمنيت لو أنّ شعريّة فرناندو بيسوا Fernando Pessoa وروايات ساراماغو Saramago وفلسفة كانط  Kant تصبح "مرهماً" يخفف وجع ظهري الذي ينحني وتتكسر مفاصله من ثقل أكياس الرز والسكّر.

كيس السكّر ليس كتاباً، أشتريه متى أشاء، وأقرؤه، أو أمزقه، أو أعيره، أو أضعه على الرف. كيس السكّر ضرورة حتمية، يجب نقلها في أسرع وقت من مكان ما في المتسودع إلى مكان آخر، للعودة سريعاً لنقل كيس آخر. بحثت كثيراً عن فلسفة سحرية، كفلسفات آسية الشرقية، لنقل الكيس بسرعة، وبطريقة مثالية لا أؤذي بها ظهري، لكنني فشلت. الفيزياء ربحت، يا سيديَّ آنشتاين Einstein وهوكينغ! بقي السكر سكّراً، ولم يصبح مجازاً، أيها الشعر!

في الأيام الأخيرة، صارت مجرد رؤيتي للباص تتعبني. صرت أرى كل الناس عتّالين. كل العالم الذي يقف ويتفرج على مأساة السوريين: عتّال.

التعليقات

المقال التالي