هل ستكم المحكمة الدولية أفواه الإعلام؟

هل ستكم المحكمة الدولية أفواه الإعلام؟

في لايدسندام Leidschendam، كانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تستمع إلى ممثل شركة تلفزيون الجديد ونائبة مدير قسم الأخبار والبرامج السياسية، السيدة كرمى خيّاط، المتهمين بـ"تحقير المحكمة". وفي بيروت كان ينعقد لقاء تضامني مع المتهمين، في نقابة الصحافة، "رفضاً للتعرض للإعلام اللبناني". إن ما تقوم به المحكمة "هدفه في المستقبل عدم السماح لأي وسيلة إعلامية بأن تقول الحقيقة كما هي"، قالت خياط من أمام مقرّ المحكمة.


شركة الأخبار ورئيس تحريرها السيد ابراهيم الأمين، المتهمان الآخران في القضية، رفضا المثول أمام القاضي نيكولا لتييري Nicola Lettieri. كتب الأمين افتتاحية في الصحيفة تحت عنوان "الأخبار... لا تَمثُل" هاجم فيها عمل المحكمة بقسوة معتبراً أنها والعاملين فيها "يشاركون في اعتداء على مقدسات لبنان، وأبرزها وأهمها على الإطلاق مقاومته البطلة ومقاوموها الأبطال". ولكن من ناحية ثانية ترك الباب مفتوحاً للمثول في جلسات لاحقة كما يظهر من بعض مقاطع مقاله ومن البيان الذي أصدرته الصحيفة قبل يوم وانتقدت فيه تقصير المحكمة في التواصل معها. في كل الحالات،حدّد القاضي للمتهميْن موعدين جديدين في 29 من الشهر الحالي.

وصاية على الإعلام؟

في جلسة المحاكمة، قالت خيّاط للقاضي: "أنا هنا لأواجه تهماً تمس مبادئي ومعتقداتي الشخصية وتمس مبادئ الصحافة العالمية"، وأضافت: جئت إلى المحكمة كي لا اكون ممراً لسلب حرية الصحافة تحت شعار العدالة، فتهمتنا الوحيدة هي أننا التزمنا أعلى المعايير المهنية حين أضأنا على أخطاء سير عمل هذه المحكمة وكلها من أجل حسن سير العدالة".


هل تريد المحكمة سلب الصحافة حريتها؟ يؤكد القاضي دافيد باراغوانث David Baragwanath في قراره الاتهامي ("قرار في إجراءات دعوى تحقير المحكمة وإصدار أوامر تحل محل قرار الاتهام") أنه "لا ينبغي اتخاذ تهمة التحقير الجزائية لإسكات وسيلة إعلام مستقلة تعمل ضمن حدود القانون". ولكنه يعتبر أنه "على غرار القضاة، وسائر المجتمع، يجب على وسائل الإعلام الامتثال للقانون". برأيه، "يجوز إخضاع حرية التعبير لبعض القيود شريطة أن تكون محددة بنص القانون" فـ"حرية الصحافة يجب أن تتقيد بحدود عندما تمس بقدرة المحكمة على العمل بصورة ملائمة كمحكمة جنائية وعلى ضمان سير العدالة لمصلحة الشعب اللبناني". ولكنه، في الوقت نفسه، يؤكد أن "هذه الصلاحية لا تمسّ بقدرة الصحافة على التعليق على عمل المحكمة، بما في ذلك انتقادها. ولكنها لا تسمح بعرقلة اضطلاع المحكمة بولايتها".

ما هي تهمة الإعلاميين؟

في تفاصيل القرار الاتهامي، توجّه المحكمة تهمتيْن إلى كلّ من المتهمِين. الأولى هي تحقير المحكمة من خلال نشر بعض المواد الصحافية، والثانية هي القيام عن علم وقصد بعرقلة سير العدالة بعدم استجابتهم لطلب المحكمة منهم إزالة هذه المواد.


بالنسبة للتهمة الأولى الموجهة إلى كلّ من شركة تلفزيون الجديد والسيدة خيّاط، أي تهمة تحقير المحكمة، اعتبر القاضي أنهما "تدخلا عن علم وقصد في سير العدالة من خلال بث و/أو نشر معلومات عن شهود سرّيين مزعومين في قضية عياش وآخرين (أي القضية التي تتهم فيها المحكمة عناصر من حزب الله باغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري)، فقوّضا بذلك ثقة الرأي العام في قدرة المحكمة على حماية سرية المعلومات المتعلقة بالشهود، أو بشهود محتملين، أو سرية المعلومات التي يقدمونها". استند القاضي إلى منطوق المادة 60 مكرّر من قواعد الإجراءات والاثبات الخاصة بالمحكمة. أما بالنسبة للتهمة الثانية، أي تهمة القيام عن علم وقصد بعرقلة سير العدالة فهو يستند إلى رفض المتهميْن إزالة هذه المعلومات من موقع تلفزيون الجديد و/أو قناة تلفزيون الجديد على موقع يوتيوب، رغم طلب المحكمة ذلك. التهم الموجهة إلى شركة أخبار بيروت والسيد إبراهيم الأمين هي ذات التهم الموجهة إلى شركة تلفزيون الجديد والسيدة كرمى خياط.

ماذا يعني تحقير المحكمة؟

إن "الهدف من إجراءات دعوى "تحقير" محكمة أو هيئة قضائية هو حماية النظام العام من عرقلة سير العدالة على نحو غير مشروع" وقد عرّفت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة التحقير بأنه "سلوك يميل إلى عرقلة سير العدالة، أو المسّ به، أو إساءة استغلاله".


تنص المادة 60 مكرّر، الفقرة (ألف) من قواعد الإجراءات والإثبات في المحكمة الخاصة بلبنان على أنه: "يجوز للمحكمة، عند ممارستها للمهام المنوطة بها، أن تدين بجرم التحقير كل من يعرقل، عن علم وقصد، سير العدالة (...) ولا سيما: (...) أي شخص يكشف عن معلومات متصلة بالإجراءات وهو يعلم أن في ذلك انتهاكاً لأمر صادر عن قاضٍ أو غرفة (...) أي شخص يهدد شاهداً محتملاً أو شاهداً يدلي بشهادته أو أدلى بها أو سيدلي بها في إجراءات أمام قاضٍ أو غرفة أو يخيفه أو يؤذيه (...) أي شخص يهدد شخصاً آخر أو يخيفه (...) أو يحاول بأي شكل من الأشكال الضغط عليه لمنعه من الوفاء بموجب مصدره أمر صادر عن قاضٍ أو غرفة".

أساس القضية

بين السادس والعاشر من شهر أغسطس 2012، بث تلفزيون الجديد سلسلة تقارير تحت عنوان "شهود المحكمة الدولية" ثم رفع هذه التقارير على موقعه الالكتروني وعلى قناة اليوتيوب الخاصة به. في هذه التقارير، تحدث مراسلو القناة مع 11 شخصاً زعموا أنهم من شهود المحكمة السريين في قضية عياش وآخرين. عرض التلفزيون بعض المعلومات عن هوية كل واحد من هؤلاء كما عرض معلومات ادعى أنهم قدموها إلى محققي المحكمة.


في 15 و19 يناير 2013، نشرت صحيفة الأخبار مقالين أولهما عنوانه "المحكمة الدوليةـ ليكس/ الشهود المفاجأة" وثانيهما بعنوان "لائحة الشهودـ المفاجأة 2: لماذا وجب نشر هذه المعلومات؟". وضعت الأخبار المقالين على موقعها الرسمي كما نشرت ترجمتين لهما على موقعها الإنكليزي. تضمّن المقالان معلومات شخصية وصوراً لـ32 شخصاً زعمت الصحيفة أنهم شهود سريون في قضية عياش وآخرين.


في 10 أغسطس، أمر قاضي الإجراءات التمهيدية تلفزيون الجديد وكبار مسؤوليه وموظفيه ووكالاته ومنتسبيه أن يزيلوا فوراً من مواقعهم الالكترونية ومن أي مصدر آخر متاح للجمهور أي معلومات أو مواد سرية يزعم أنها تتعلق بالشهود أمام المحكمة. ولكن "الجديد" لم يلتزم. الأمر نفسه تكرّر مع "الأخبار" بعد إخطار رئيس قلم المحكمة السيد الأمين، في 18 يناير 2013، أن أعمال النشر "قد تشكّل تدخلاً في سير العدالة عن علم وقصد، وقد تعرّض للخطر أمن الأفراد الذين وردت أسماؤهم في المقالة".

سابقة في المحاكم الدولية؟

اتهام إعلاميين أفراد بتحقير المحكمة وعرقلة سير العدالة هو أمر معمول به في القضاء الجنائي الدولي. هناك الكثير من القضايا المشابهة أمام المحاكم الدولية ومنها المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، المحكمة الخاصة لسيراليون، والمحكمة الجنائية الدولية.


الجديد في القضية هو توجيه تهم إلى أشخاص معنويين، أي شركتي الجديد والأخبار وهذه سابقة في المحاكم الدولية. استند القاضي باراغوانث إلى المادة 28 من النظام الأساسي التي تنص على أن القضاة، باعتمادهم القواعد، يسترشدون، حسب الاقتضاء، بقانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني وعلى أن "لبنان قد أقرّ بالمسؤولية الجنائية للشركات ودوّنها في القانون. فالمادة 210 من قانون العقوبات اللبناني تنص على ما يلي: إن الهيئات المعنوية مسؤولة جزائياً عن أعمال مديريها وأعضاء إدارتها وممثليها وعمالها عندما يأتون هذه الأعمال باسم الهيئات المذكورة أو بإحدى وسائلها". من هنا اعتبر أنه "سيكون من المثير للاستغراب ألا تسمح هذه المحكمة بصون إجراءاتها القانونية من تدخّلات الشركات بسبب مبدأ قديم قد رفضه البلد الذي تعمل لخدمته" خاصة وأن "التسليم بأن الأشخاص الطبيعيين وحدهم يمكنهم عرقلة سير العدالة ليس أمراً ساذجاً فحسب، بل هو خطير أيضاً (...) لأن المذنبين الفعليين الأشد قوة سيفلتون من المساءلة عن أي سلوك يثبت أنه يشكل عرقلة لسير العدالة".

هل هناك استنسابية؟

في 23 مايو 2009، نشرت مجلة "دير شبيغل" Der Spiegel الألمانية مقالاً للكاتب إيريك فولاذ Erich Follath أشار فيه إلى اكتشافه استناداً إلى "وثائق داخلية" أن منفذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ليس سوريا بل إن "قوة لبنانية خاصة تابعة لتنظيم حزب الله، خططت ونفذت هذه العملية".


وفي العاشر من أكتوبر 2010، بثت قناة "سي بي سي نيوز" CBC News الكندية تقريراً جاء فيه أن الأدلة التي جمعها محققون تابعون للأمم المتحدة والشرطة اللبنانية "تؤشر بشكل قوي إلى أن القتلة من حزب الله"، وقالت أن محققي لجنة التحقيق الدولية (وهي لجنة عملت قبل تأسيس المحكمة) يتساءلون حول دور ما لرئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي اللبناني العقيد وسام الحسن بسبب الحجة الضعيفة التي برر بها غيابه عن الموكب الذي استهدفه انفجار 14 فبراير 2005. حينها اعتبر مدّعي عام المحكمة دانيال بيلمار أن بث هذه المعلومات "قد يعرّض حياة بعض الأشخاص للخطر".


هذه هي أبرز "التسريبات" حول عمل التحقيق الدولي. ولكن المحكمة لم تحرّك ساكناً في هذه الحوادث. قبل يومين، قال الناطق بإسم المحكمة مارتن يوسف أنه "جرت مقارنات بين ما نشرته صحيفة "دير شبيغل" و"سي بي سي"، ولكن هدف هذه المرحلة ليس إجراءات قضائية ضد الصحافي الذي ينتقد أو ينشر معلومات سرية عن عمل المحكمة، إنما ما يمس حماية الشهود وعرقلة سير العدالة". يوسف أضاف: "المعلومات تنشر عن المحكمة دائماً وهذا يثبت أن الاجراءات القضائية ليست لإسكات الصحافة إنما لحماية الشهود".


كلام يوسف غريب جداً. لم يكن ينبغي عليه تبرير نشر تسريبات من المحكمة لأنه عمل غير قانوني حتى ولو رأى في كلامه هذا تكتيكاً يساعده على نفي استهداف المحكمة لحرية الإعلام. صحيح أن المسألتين مختلفتين كثيراً من حيث الشكل والمضمون ولكن، رغم ذلك، لا يمكن تبرير فعل جرّمته صراحة المادة 66 مكرر المذكورة سابقاً ولا يحق ليوسف الإيحاء بأنه عمل مشروع.


ربما ارتأت المحكمة البدء بقضية قبل أخرى وهذا حق لها. في القانون لا يمكن تبرير رفض محاكمة متهم بتقصير القضاء في محاكمة متهم آخر. وربما تعتبر المحكمة أن التسريبات المذكورة مصدرها التحقيق الذي سبق تأسيس المحكمة وبالتالي لا صلاحية لها في النظر فيه. المسألة يشوبها التباس.


المتهمون بريئون إلى أن يثبت القاضي إدانتهم. ولكن القضية تعيد طرح الإشكالية العالمية: هل يحق للصحافة تجاوز القوانين بحجة إيصال معلومات إلى المتلقين؟ هنا جوهر المسألة المثارة، ففي كل الأنظمة القانونية العالمية، الجواب واضح: لا يحق لها ذلك. إذن السؤال هو: هل خرق المتهمون اللبنانيون القانون؟ الجواب سيصدر قريباً عن المحكمة.

التعليقات

المقال التالي