عمالقة الأسواق الكروية يصطدمون بقوانين النزاهة المالية

عمالقة الأسواق الكروية يصطدمون بقوانين النزاهة المالية

عندما تسلم النجم الفرنسي ميشيل بلاتيني Platini رئاسة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم عام 2007، أعلن وبشكل صريح وواضح نيته بذل الجهد الأكبر لمنح الفرق الصغيرة فرصة لإعادة إثبات وجودها أمام عمالقة أوروبا الذين حصنوا تفوقهم الفني بتفوق مالي مضاعف جعلهم ينالون حصة الأسد في كافة مفاصل اللعبة.

المايسترو الفرنسي بدأ التخطيط بهدوء، وبعد عامين كاملين من الجلوس في مكتبه بمدينة نيون السويسرية، خرج بنظام يعتبر عصارة جهد عشرات الخبراء الذين حاولوا إعادة التوازن إلى الساحرة المستديرة دون إغضاب القوى الكروية الكلاسيكية التي تبقى رغم كل شيء عصب اللعبة الأكثر شعبية بفنها وتاريخها وأموالها. من هذا المنطلق، ولد مصطلح "اللعب المالي النظيف".

قوانين الويفا للنزاهة المالية

كثير من عشاق الكرة سمعوا بهذا العنوان في السنوات الأربع الماضية، ولكن أياً منهم لم يكن ملماً بتفاصيله على الرغم من أن النزاهة والمال ضدان قلما يلتقيان، ما ينذر بأمر يدبره اتحاد بلاتيني قد لا يكون ساراً للكثيرين، بحسب تعبير البعض.

ولادة مشروع النزاهة المالية شهدها العام 2009 عندما قدمت اللجنة التنفيذية في الاتحاد الأوروبي UEFA مشروعها طويل المدى الذي يهدف بالنهاية إلى تحقيق اكتفاء مالي ذاتي. التقرير الذي تضمنه المشروع أكد أن نصف الأندية الأوروبية البالغ عددها 655 قد تحملت خسائر مادية في السنة السابقة. 20 بالمئة منها في وضع مالي خطير. وفي الأشهر الأولى من عام 2012، أكدت البيانات الواردة أن ديون الأندية بلغت أكثر من 2 مليار دولار بنسبة نمو وصلت إلى 36 بالمئة، في حين أن 75 بالمئة من الأندية غير قادرة على تحقيق التوازن في الميزانية.

بناء على ذلك قرر الاتحاد الأوروبي عبر مشروعه تحقيق مبدأ اللعب النظيف والعادل خارج الملعب وداخله، وللوصول إلى هذا الهدف يجب تطبيق مبدأ اقتصادي يعرف بـ"نقطة التعادل" break-even point وهي النقطة التي تتساوى فيها الأرباح والخسائر، النفقات والواردات، الأمر الذي سيصب في صالح كرة القدم وسيجبر الأندية على تقييد الإنفاق المبالغ فيه والاهتمام بقطاع الناشئين، وإيجاد موارد دخل جديدة.

قسم الاتحاد الأوروبي نظامه إلى عدة أقسام كي لا يقع كالصاعقة على الأندية ويساهم بحدوث ردة فعل عكسية قد تقلب المخطط رأساً على عقب. مع إقرار القانون عام 2011، طبق الاتحاد بند منع الأندية من أن تكون مديونة لأندية أخرى، وفي الموسمين الأولين (2011-2012) راقب الويفا سير الأمور المالية وتقارير الأندية السنوية، بحيث يكون مقدار الخسائر محدداً في كل موسم ويستمر بالهبوط تدريجياً، وفي هذه الفترة سمح بحجم خسائر يصل إلى 60 مليون دولار.

أما في المواسم التالية، فيسمح بحجم خسائر تصل إلى 40 مليون  دولار و20 مليون دولار على التوالي، قبل أن تهبط الخسائر إلى الصفر في موسم (2014-2015)، في الوقت الذي يسمح فيه لمالكي الأندية بتسديد الديون المترتبة عليهم خلال الفترة بين 2013 و2014.

في الفترة ذاتها سيسمح للمالكين أيضاً بالمساهمة بمبلغ 60 مليون دولار، وبعد موسم 2015 سيقلص هذا الرقم إلى 40 مليون دولار للمواسم (2015/16، 2016/17، 2017/18)، ليبدأ حينها تطبيق العقوبات بحق المخالفين، والتي تبدأ بالإنذار وصولاً إلى المنع من التعاقدات والمشاركة في المسابقات الأوروبية، وانتهاء بإمكانية سحب الألقاب خلال المواسم التي شهدت وجود مخالفات.

أكبر المتضررين

في الدوري الإسباني لا يبدو أن قانون اللعب المالي النظيف يقلق قطبي الكلاسيكو ريال مدريد Real Madrid وبرشلونة Barcelona لأنهما الناديان الأكثر دخلاً في العالم بمبلغ يتخطى 700 مليون دولار للأول و670 مليون للثاني، ما يعني، على الورق أقله، أن العملاقين لا يواجهان أي مشكلة في تحقيق التوازن المالي. لكن الوضع يختلف بالنسبة لأتلتيكو مدريد Atlético Madrid الذي ضمن مشاركته في دوري الأبطال، إذ أنه مدين للخزينة العامة بعشرات الملايين بحسب تقديرات الصحافة المحلية.

وفي إيطاليا، يبقى نابولي Napoli "التلميذ المجتهد" الوحيد بين كبار الفئة الأولى بوجود رئيسه المحنك أوريليو دي لورنتيس Aurelio De Laurentiis الذي تمكن ناديه وبفضل حكمته من تحقيق أرباح بقيمة 11 مليون دولار وبتوازن إيجابي بين الانفاق والايرادات للموسم السابع على التوالي. أما بالنسبة للكبار الآخرين، فالجميع يعاني من الديون وأبرزهم إنتر ميلان Inter Milan الذي تتجاوز خسائره 80 مليون دولار، ما يجعله الأكثر عرضة للعقوبات.

خلافاً لألمانيا التي لطالما عرفت أنديتها بإحجامها عن الصفقات الخيالية التي تتسبب باختلال التوازن بين النفقات والايرادات، يجد الدوري الانكليزي نفسه في عين عاصفة العجز المالي، عبر أندية تشلسي Chelsea، وليفربول Liverpool وبشكل أكبر مانشستر سيتي Manchester City الذي أنفقت إدارته الإماراتية خلال المواسم الثلاثة الماضية ما يقارب 350 مليون دولار، في الوقت الذي حافظ فيه آرسنال Arsenal على توازنه المعروف ليأتي بعده مانشستر يونايتد Manchester United ولو بدرجة أقل.

أما في فرنسا، فتسلط الأضواء على باريس سان جرمان PSG بإدارته القطرية التي أنفقت ما يقارب 520 مليون دولار على التعاقدات منذ شرائها النادي الباريسي عام 2011، في الوقت الذي لن يكون فيه موناكو Monaco مع مالكه الملياردير الروسي ديميتري ريبولوفليف Dmitri Rybolovlev، معنياً حالياً بعقوبات الويفا رغم إنفاقه المخالف، وذلك لأن السلطة الكروية العليا في القارة العجوز لا تدقق في حسابات من لا يشارك في مسابقاتها القارية. لكن وبما أنه ضمن مشاركته الموسم المقبل فستتولى لجنة الخبراء ملفه في ربيع 2015.

قبل أربعة أيام، أصدر الاتحاد الأوروبي بياناً أكد فيه أن تسعة أندية ستواجه عقوبات بسبب مخالفة قواعد اللعب المالي خلال موسم (2013-2014)، وأشار الاتحاد إلى أن هذه الأندية تمت غربلتها من أصل 237 نادياً شاركوا في البطولة الأوروبية، وطلب من 76 منهم تقديم معلومات إضافية. اليويفا رفض الكشف عن أسماء الأندية التسعة، إلا أن جميع المحللين وضعوا سان جيرمان والسيتي (اللذين تمت معاقبتهما بحسب التسريبات) وتشلسي على رأس القائمة التي يفترض أن يعلن عنها رسمياً خلال أيام.

مع انتظار إلحاق العقوبات بالفرق التي ارتكبت مخالفات مالية، يبدو أن الويفا استنبط طريقة يسعى من خلالها تجنب لعب الوكلاء والمالكين من تحت الطاولة في محاولة للالتفاف على القوانين، وذلك عبر عقد تسويات ودية تدفع الأندية من خلالها ما يترتب عليها دون أن تتعرض لعقوبة، ما يفرغ القانون من مضمونه الأساسي ويحقق مطامح المافيات الكروية المالية.

عمر قصير

صحافي سوري مقيم في تركيا، مساهم في عدد من وسائل الإعلام السورية المكتوبة والمرئية. متخصص في الشؤون الرياضية.

التعليقات

المقال التالي