حين تغضب رموز التاريخ الأثرية

حين تغضب رموز التاريخ الأثرية

لاشك أن جيلنا الحالي محظوظ لأنه عايش معالم أثرية شهدت على أعظم حقبات التاريخ. تآلفنا مع توت عنخ آمون، وتصادقنا مع تحفة مايكل أنجلو تحت سقف كنيسة سيستين، وشعرنا أمام تاج محل أننا في بيتنا. لكن أخبار اليوم تفيد بأن تلك الآثار أقامت اعتصاماً مفتوحاً ضد المعاملة التي تتلقاها والحالة التي آلت عليها، وقررت أن تنهار!


لنعد أدراجنا قليلاً حتى نرى المعاملة الفرعونية الملكية في مقبرة توت عنخ آمون، ذلك المكان الأثري الرائع في مدينة الأقصر الذي يعود بناؤه إلى 3000 عام مضى، والذي تم اكتشافه في العام 1922. الفرعون العظيم ملّ من عمله ذلك الذي فرض عليه الاهتمام بسياح العالم أجمع فأخذ الاتحاد الأوروبي قراراً بإغلاق أبواب مقبرته، وخلق نسخةطبق الأصل عنها لإرضاء فضول السياح.


تم تدشين النسخة الفرعونية منذ بضعة أيام، كبديل للمقبرة التي أغلقت لترميمها والحفاظ عليها لفائدة الأجيال المقبلة. من زار النسخة حتى الآن، لم يلاحظ أي فرق بينها وبين الأصلية، بما أنه اعتمد في تصميمها تقنية الأبعاد الثلاثية المتطورة والمساحات الضوئية والليزر لتقليد ملمس وشكل وألوان المقبرة الأصلية. إنه مشروع موّله الاتحاد الأوروبي بقيمة تفوق 700 ألف دولار ونفذته شركة Factum Arte الإسبانية المتخصصة في علم الآثار. يأمل المشرفون على المشروع أن يكون بمثابة تسوية عادلة بين الاحتفاء بالتاريخ والحفاظ عليه في الوقت نفسه، على أمل أن تعاد التجربة مع نسخ لمقبرة سيتي ومقبرة نفرتيتي اللتين لن يتمكن السواح من زيارتهما بعد اليوم، ما لم يتم إنشاء نسخة عنهما. الحلم الفرعوني العظيم أخذ يتحوّل إلى واقع منسوخ بدقة 1/3 الميليمتر، بعد أن أنهكه ملايين السواح على مدى عشرات الأعوام، والثمن ستدفعه أجيال القرن الحالي، بتنشقها رذاذ الليزر عوضاً عن عطر التاريخ العريق.

VATICAN-POPE-CARDINALS-SISTINE CHAPEL


قصة مشابهة لمقبرة توت عنخ آمون الفرعون المتعب، تلك التي رسمت بشغف حقبة النهضة على سقف كنيسة سيستين. إنها تحفة مايكل أنجلو Michelangelo ورافاييل Raffaello وبيرنيني Bernini وساندرو بوتيتشيلي Sandro Botticelli، والتي أخذت تعضّ الغبار جراء جنون عدد السواح الذين يزورونها يومياً. دخلت كنيسة سيستين القائمة الحزينة للآثار المعرضة للخطر، بسبب أكثر من 20 ألف زائر في اليوم الواحد يضخون الكثير من الغبار وثاني أكسيد الكربون المضرّ باللوحات الجصية. ينظر الفاتيكان في حل جذري لتجاوز المأزق. ذلك العمل العظيم يتآكله الغبار، واللوحات التاريخية التي تغطي 2500 متر مربع من المكان تهددها أوساخ ورطوبة سواح ملتصقين بها كالنمل مصرّين على التقاط صور محظورة. منذ بضعة أعوام عزم مدير متاحف الفاتيكان على اتخاذ قرار صارم بإنشاء نسخة عن المكان، مكان افتراضي يحدّ من دخول الزوار إلى التحفة الأصلية التي هي رمز للاهوت الكاثوليكي أكثر مما هي متحف مفتوح للشعوب. إذاً، ثمة نسخة خيالية في انتظار كنيسة سيستين. في الوقت الراهن يتم اعتماد حلول مؤقتة، كتجديد الإنارة والتهوية، وإقامة نظام تنظيف أوتوماتيكي يسحب الغبار من الزوار ويعدل من حرارة ورطوبة أجسامهم وأفواههم المسؤولة بشكل كبير عن تدمير تحفة أنجيلو. حتى حلول ذلك المشروع، ما زال بإمكانكم أخذ دوش سريع لنفض الغبار، قبل دخول الكنيسة، لأن ذلك الإحساس الساحر الذي تشعرون به تحت سقفها، من الصعب أن يتم نسخه لإرضائكم.

download (9)


إذا عرف مايكل أنجلو أيضاً أن تمثاله الشهير "دافيد" مهدد بالانهيار لو تعرّض لهزة أرضية أو حتى لأعمال حفر في الشارع الملاصق، حيث يقف شامخاً بطوله الذي يتعدى الخمسة أمتار في فلورنسا، لكان انهار بنفسه. مشكلة دافيد أن كاحله قد تعرّض لتشققات، وتطورت حالته بعدما تم عرضه في الهواء الطلق. هو اليوم بالكاد يستطيع حمل جسمه، ومحاولات دعم الكسور في كاحله باءت بالفشل حتى الآن. الرخام حجرٌ تتخلله ثغرات ميكروسكوبية، تسبب الإتلاف أسرع من المواد الأخرى، وأي كسرٍ يسبب مشكلة كبيرة لتمثال عملاق كدافيد. الحلول تقتصر على نقل دافيد إلى غرفة خاصة تحميه من الهزات الأرضية، أو حتى من دعسات السواح، ولربما حان الوقت لأن يستلقي بعد أن هلك واقفاً منذ أوائل القرن السادس عشر، وتعرّض لعدة انتهاكات، منها اعتداء رجل في العام 1991 حطم إصبع رجله بواسطة مطرقة، وقال إنه تلقى تعليمات من رسام من البندقية من القرن السادس عشر للقيام بذلك!

download (10)


إذا اتجهنا إلى الهند ومعالمها التاريخية الرائعة، نكتشف أن الجوهرة الأكبر المسماة "تاج محل" متضامنة مع الإضراب الكبير الذي شنته كبرى الآثار العالمية ضد حضارتنا الحالية. أهم رمز للحب الحقيقي يواجه اليوم خطر التلف والانهيار، إذ أصبح ملطخاً بالبقع الصفراء وحجره يتفسخ في عدة طبقات. مستويات التلوث في مدينة أقرا ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، جراء انتشار نفايات عدة صناعات قريبة، ما جعل من مملكة العمارة الإسلامية والفارسية والعثمانية والتركية والهندية ضحية للتلوث المعاصر. أصابع الاتهام موجهة نحو وزارة النفط على اعتبار أنها زودت المنطقة ومصانعها بغاز طبيعي رخيص بشكل غير منظم، ما خنق أنفاس تاج محل. رغم المحاولات العديدة من قبل الحكومة للحفاظ على كيان التاج، إلا أن نهر يامونا الجاف والملوث بالمجاري والنفايات ما زال يلحق الأذى برسالة الحب الهندية. أساسات الجوهرة مصنوعة من الخشب الصلب الذي يحتاج لرطوبة النهر ليتمكن من الاستمرار، والجفاف الراهن يشكل تهديداً كبير لاستمرارية ذلك المعلم السياحي الذي يجتذب 8 ملايين سائح كل عام. سيخضع تاج محل لقناع تجميلي من الطين، لربما تخفف البقع من بشرته المتعبة، ويعود للمعان على ضفة نهر عازم على تدميره من جذوره.


مروراً بالفيليبين، تسمعون أصوات الأخصائيين منددين بأن الحفاظ على جدار صغير يحتوي منحوتات تعود إلى 5000 عام أمر غير وارد. 127 نقشاً يبرز أشخاصاً وحيوانات وأشكالاً هندسية، من أقدم النقوش الفنية في جنوب شرق آسيا التي يعود تاريخها إلى العصر الحجري، مصيرها الزوال. الأسباب عديدة، منها الغرور الذي دفع بعض الزوار إلى حفر أسمائهم على الجدار التاريخي، ربما كذكرى للحضارات القادمة على التلوث الثقافي والبيئي الذي خلفته حضارتنا.


التلوث الثقافي والبشري يلاحقان القطع الأثرية والفنية، وهو من هواية بعض الأفراد الذين يعتبرون الاعتداء على التاريخ بمثابة إثبات للوجود. شخص واحد على الأقل يقوممرة في الشهر بتشويه قطعة فنية، أحياناً بقلم باركر بسيط، لتقدّر الخسائر بملايين الدولارات. الاعتداء الإنساني على الثقافات القديمة لا يقتصر فقط على الاعتداء الجسدي، بل أيضاً يأتي من إهمال لكامل قيمة الحضارة والثقافة، وهو أمرٌ يعاني منهضريح أم كلثوم الذي لم يعد يزوره أحد. منذ 39 عاماً، أي منذ أن ودّعت الأسطورة أم كلثوم الأرض، لم يمر يوم دون أن يأتي أحدهم ليضع الزهور على قبرها، إلى أن أبادت حضارتنا بمشاكلها الكثيرة المعجبين الذين يجلسون جلسة العمر قربها، لتغني لهم وحدهم. ربما تفكر أم كلثوم التاريخية بالانضمام إلى رموز وملوك وآلهة الزمن في إضرابهم المفتوح على الزمن المعاصر، ليكون بشر الغد محرومين من التعرف على أصولهم العريقة.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي