من إسمي نصيب

من إسمي نصيب

عندما قدمتُ إلى هذه الحياة ليلة رأس السنة في الدقائق الثلاث الأولى من عام 1966، كان إسمي الكردي قد قدم معي، سردار، أو القائد بالعربية كما قال جدي، لكن رأي دائرة قيد النفوس في الدرباسية كان مخالفاً لرأي جدي يوسف.

لن تسميه بإسم كرديّ يا صاح، أنت في بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدانِ، والنون مشان القافية، ألله يعطيك العافية. ستسميه إسماً عربياً حتى لو كان السريان والأرمن والآشوريون يتحدثون بالكردية في سوق الدرباسية، فإذا كنتَ غير ملم بالأسماء العربية فسنسميه لك، قحطان... مثلاً إسم جميل وعربي دفع رباعي. عدنان أيضاً، أو لم تسمع أن الأكراد عرب عاربة من اليمن؟! ثقافتك ضحلة يا صاح، نحن جئنا لنعلمكم من أنتم، وما كل هذه الأغاني التي تسمعونها إلا بمؤامرة لغوية على النفوس العربية، وما كل هذه الأشعار التي ترددونها إلا ببدعة استعمارية ضد المعلقات الجاهلية. فهل تسميه أم نسميه لك؟

لقمان، قال جدي، لقمان إسم عربي موجود في القرآن، لكنه إسم ابن الملا مصطفى البرزاني يا صاح، هل تلعب معنا؟! أو لا تعرف أننا نعرف أنه يكنى ببافي لقمان؟! ردد الموظف العارف. لكنه موجود في القرآن، قال جدي بإصرار، فرضخ الموظف لواقع الحال، لقمان لقمان... أنا أحببتُ أن أخدمك بعدنان وقحطان فهما يفتحان كل أبواب العروبة الحاكمة للدوائر والمؤسسات أمام حفيدك.

وهكذا تحولت من القائد سردار إلى إبن القائد ملا مصطفى البارزاني في دفتر العائلة الكردية المكتوب بالعربية. جارنا أبو حنا يناديني مانو، وأمي تناديني بصوتها الملآن: لو لوقماااان، وأبناء عمتي وحارتي ينادونني لقمانو، الشوايا ينادونني لغمان، والحلبيون ينادونني لؤمان، واللبنانيون لوكمان، ويحرفها أصدقائي إلى لاكي مان، وآخرون إلى لووك مان، حلو إسمك يا مان، لكنه لم يكن بهذه الحلاوة في المدرسة بحلب، فقد كان صعباً. الأساتذة يقرأون التفقد وينادون: نعمان ديري، لقمان يا أستاذ لقمان، لقمتان؟! ويضحك الأستاذ، وديركي أستاذ، من ديريك التي في جبال مازي فوق الخط... وأين هذه البلاد التي إسمها فوق الخط يا لقمتان؟ سرختيه أستاذ، جانب ماردين، آاااه، تركيا يا إبني اسمها، لا يا أستاذ… والدي يقول عنها سر ختيه، يعني بلاد ما فوق الخط، أي خط يا لقمتان؟ الخط الذي يقسم الدرباسية إلى قسمين، الدرباسية التي ولدت فيها هي بن ختيه، تحت الخط أستاذ. إسمها الجمهورية العربية السورية يا لقمتان. لكنهم يتحدثون في السوق والحارة بالكردية أستاذ. هسسسس… بدأ الدرس، صلاح الدين الأيوبي قائد عربي حرر القدس من الصليبيين، لأ أستاذ، صلاح الدين كردي. لأ عربي. لأ كردي. ما الإثبات على أنه كردي يا لقمتان؟! الإثبات! لو كان صلاح الدين عربياً لما كنتم وضعتم صورته على ورقة الخمسة وعشرين ليرة، كنتم وضعتموها على الخمسمائة أستاذ. وضحك الطلاب. عم تتمسخر على التاريخ يا لقمتان؟ وأنت عم تتمسخر على إسمي المذكور في القرآن يا أستاذ. وابتسم الطلاب، وصمت الأستاذ، وخرجنا إلى الفرصة وأنا محاط بأصدقائي وأسئلتهم.

download (2)

هل توجد لغة للأكراد؟ هل لديهم وطن؟ هيا لنلعب كرة القدم. كسرنا الزجاج، الموجه كردي وإسمه خيرو وهو شديد وقاس، نسميه بسطيس، شواربه مخيفة، وعصاه مخيفة أكثر، سيضربنا جميعاً، ما إسمك؟ عبد القادر أستاذ، افتح إيدك ولاه... آاااخخ آاااخ... ما إسمك؟ محمود أستاذ. افتح إيدك ولاه... آاااخ آاااخ... دخيلك ما عاد أعيدها أستاذ، وأنت ولاه، افتح إيدك، ما إسمك؟ لقمان أستاذ. لقمان؟! من وين أنت يا لقمان؟! من درباسية أستاذ جنب قامشلو. طيب يا لقمان، لا بقى تعيدها، بس كرمال إسمك ما رح أضربك، جيب ولي أمرك معك بكرة. يا أم لقمان، كرمال إسمه ما عم أضربه، إسمه على إسم ابن الملا مصطفى البرزاني، وأنا كردي، ولا أسمح لنفسي بضربه، سأكسر يدي إذا امتدت على لقمان، بس هو مشاغب، وما عم يحترم قوانين المدرسة، كسر البلور بالطابة. طيب يا أستاذ، زور سباس، قالت أمي. وابتسم بمرارة الأستاذ، ودارت الأيام، الكل في دائرة الشك، ولقمان بفضل إسمه بمنأى عن العقاب.

هيا لنسرق موتور الأستاذ بسطيس، لقد نسي فيه المفاتيح، وطرنا يا شباب على الموتور، أنا وعبد الناصر حمو وعبد القادر أنيس، ولاحقنا بسطيس على قدميه، حتى سقطنا في حفرة طبيعية، وعلى هون بيوجعكن وهون ما بيوجعكن. نال عبد الناصر وعبد القادر ما تيسر من كفوف ولكمات ورفسات، ووصل الدور إلي فنظر بسطيس بحسرة إلي وقال: آخ... بس لو ما كان إسمك لقمان!

التعليقات

المقال التالي