حيتان المال تسيطر على لعبة الفقراء

حيتان المال تسيطر على لعبة الفقراء

عندما تأهلت الهند إلى بطولة كأس العالم عام 1950 في البرازيل، وطلب منتخبها من الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA، السماح للاعبيه باللعب حفاة، لم يكن يدور في خلد أحد ما أن قيمة العلامة التجارية لناد مثل بايرن ميونخ Bayern Munich ستصل إلى 860 مليون دولار، أو أن يدفع شخص أكثر من مليار دولار لشراء ناد كمانشستر يونايتد Manchester United.

الرياضة الأكثر شعبية في العالم، أو رياضة الفقراء كما يطيب للكثيرين تسميتها، مرت بمراحل تطور كثيرة، طالت أغلب مفاصلها، فتغيرت أبعاد الملعب وأطقم اللاعبين ووزن الكرة، وقواعد التسلل، على مدى 100 عام من تاريخها الحديث، إلا أنها شهدت مع بداية الألفية الثالثة نقلة نوعية حولتها من مجرد رياضة شعبية إلى التجارة الأكثر استقطاباً للأموال ولرجال الأعمال في العالم.

هيمنة الأموال على كرة القدم، والتي تزداد يوماً بعد يوم، جعلت أكثر من نصف أندية الدوري الإنكليزي أحد أكثر البطولات متابعة وأقدمها، تحت سطوة الإدارة المالية الأجنبية. وشريط الاستثمار الكروي الذي قصه الملياردير الروسي رومان إيبراهيموفيتش Roman Abramovich عام 2003 تبعه تجارب متلاحقة، بعدما شاهد رجال الأعمال النجاح الذي حققه رومان مع تشلسي Chelsea، بإحراز 11 لقباً تحت إدارته.

إذا ما أخذنا تجربة تشلسي وابراموفيتش كمثال، فإن النادي اللندني انتظر تسع سنوات كاملة ليحقق أرباحاً اقتصادية، وهذا يدل أن أهداف ابراموفيتش لم تكن مقتصرة على تحقيق الربح المادي فقط. فمنذ قيادة الملياردير الروسي لدفة النادي، تمكن تشلسي من التتويج بـ 11 لقباً، وكان من أبرز المنافسين على معظم البطولات التي شارك بها. في مطلع هذا العام، تمكن تشلسي للمرة الأولى، بعد أن صرف ابراموفتيش في سوق الانتقالات فقط ودون التحدث عن المصاريف الأخرى أكثر من 680 مليون جنيه استرليني، أي أكثر من مليار دولار.

بداية بتشلسي، وانتهاء بإنتر ميلان Inter Milan الذي اشتراه رجل الأعمال الأندونيسي إريك ثوهير Erick Thohir، فقد أصبحت ملكية 20 نادياً في أكبر البطولات الأوروبية، في عهدة رجال أعمال جدد، وهو الأمر الذي استطاعت ألمانيا وحدها تجنبه عن طريق قانون يمنع تملك رجال الأعمال الأجانب لأكثر من 49 % من أسهم النادي.

يقول أخصائي في الاقتصاد الرياضي في فرنسا لوكالة فرانس برس إن "تدفق الأموال له أثر كبير على السوق. أول شيء يقوم به مالكو الأندية الجدد هو شراء لاعبين وهذا يخلق تضخماً وفي بعض الأحيان عدم توازن رياضي مع أندية أخرى لا تستطيع اللحاق بها". وتقول الوكالة في تقرير لها إن أكبر معدل تضخم جاء بعد شراء ابراموفتيش لتشلسي، ومن ثم بعد شراء أبو ظبي لمانشستر سيتي Manchester City عام 2008، قبل أن يبلغ أوجه في ظل المبالغ الطائلة التي تدفعها الأندية الأوروبية الكبرى "مالياً "، وعلى رأسها ريال مدريد Real Madrid وبرشلونة Barcelona.

إن محو 200 مليون يورو كديون متراكمة على نادي إنتر ميلان من قبل مالكه الأندونيسي الجديد، لا تستجيب لأي منطق اقتصادي. وهو الأمر ذاته الذي ينطبق على نادي موناكو الفرنسي الصاعد مطلع الموسم الحالي إلى أندية النخبة في فرنسا، والذي أنفق بقيادة مالكه الجديد ريبولوفليف Rybolovlev مبلغاً مقداره 167 مليون يورو لتعزيز صفوفه وهي أعلى نسبة في الدوري الفرنسي.

كثيرة هي الأسباب التي تدفع رجال الأعمال للاستثمار الرياضي ولترؤس أندية كرة القدم الأوروبية على وجه الخصوص. هناك أنواع مختلفة من الاستثمارات. البعض يبحث عن الربح غير المباشر في إطار استرتيجية سياسية  كما هي الحال بالنسبة إلى قطر مع باريس سان جرمان Paris Saint-Germain. أما الآخرون فيلجؤون إلى طريقة غير عقلانية. بيد أن المهمة الأساسية لشراء ابراموفيتش وريبولوفليف هو البحث عن الهيبة ولا هم عندهما إذا ما كان النادي يحصل على أرباح. بالتالي، لا يمكن وضع جميع المستثمرين في خانة واحدة"، بحسب ما يوضحه مستشار في الاقتصاد الرياضي.

في ظل هذه السطوة المترامية لرجال الأعمال، تحولت المنافسة في كرة القدم من الذي يضمن الأداء الأجمل والمهارة الأكبر، إلى من يدفع أكثر في سبيل استقطاب الأفضل، وعلى الرغم من كل القوانين التي يفرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم عموماً والاتحاد الأوروبي UEFA خصوصاً، إلا أن الأندية الكبيرة ورجال الأعمال المسيطرين عليها لا زالوا قادرين على الالتفاف والمراوغة. يبقى السؤال الأهم، هل ستصبح كرة القدم رهينة النجاح عن طريق استقطاب رجال المال والأعمال، وهل ستصبح لعبة الفقراء حكراً على الأغنياء، أم أن عاشق الساحرة المستديرة لا يحتاج أكثر من كرة ومرمى ليرضي شغفه!

نشر هذا المقال على الموقع في تاريخ 02.12.2013

عمر قصير

صحافي سوري مقيم في تركيا، مساهم في عدد من وسائل الإعلام السورية المكتوبة والمرئية. متخصص في الشؤون الرياضية.

التعليقات

المقال التالي