هل يحق للولايات المتحدة رفض استقبال شخصية دبلوماسية على أراضيها؟

هل يحق للولايات المتحدة رفض استقبال شخصية دبلوماسية على أراضيها؟

هل يحق للولايات المتحدة الامتناع عن منح سمة الدخول (الفيزا) إلى أراضيها لمن يريد زيارتها؟ بالطبع نعم، فهذا من الحقوق السيادية لأي دولة كانت، أو على الأقل لأي دولة تتمتع بكامل سيادتها على أراضيها. لكن الولايات المتحدة، المعروفة بإجراءاتها الصارمة في ما يخص منح سمة الدخول، ملزمة بقبول دخول مسؤولين وسياسيين ودبلوماسين من كافة أرجاء العالم، منذ أن اتخذت الأمم المتحدة من الشارع الأول في نيويورك مقراً لها، وفتحت أبواب مبناها الشهير في يناير عام 1951.

 

بين فترة وأخرى تثار ضجة عندما ترفض الولايات المتحدة منح سمة الدخول لدبلوماسي أو مسؤول معين، على الرغم من أن القدوم أصلاً هو إلى الأمم المتحدة التي يعتبر موقع مبناها "أراضي دولية" مفتوحة للجميع. أثيرت هذه الضجة مجدداً مع تأكيد الولايات المتحدة الإسبوع الماضي رفضها منح سمة الدخول لمرشح إيران الجديد لمنصب المندوب الدائم للأمم المتحدة حميد أبو طالبي.

 

تتمسك الولايات المتحدة بحقها في رفض تواجد أي شخص تعتبره "غير مرغوب" وخاصة من تقول إنه "يهدد أمنها الوطني". المفارقة هنا أنها تستند في رفضها على منظمة الأمم المتحدة التي تهتم بسيادة الدول وتحرص على أن تكون سيادة كل دولة كاملة غير منقوصة على أراضيها وأجوائها ومياهها. لطالما استخدمت الولايات المتحدة هذه الحجة لمنع وصول من لا ترغب برؤيته داخل أروقة الأمم المتحدة، أو يغيظها أن تشاهده وهو يعتلي منصة الخطاب طارحاً وجهة نظر بلاده التي تتصادم مع رأي ومصلحة واشنطن أو حلفائها المقربين.

 

هناك أمثلة كثيرة على محاولات الولايات المتحدة منع وصول من تعتبره "خطراً" إلى الأمم المتحدة. عادة ما يكون هذا الخطر سياسياً وليس أمنياً، خاصة عند انعقاد الجمعية العامة في سبتمبر من كل عام، وتقاطر الوفود من شتى أنحاء العالم. كانت هذه الظاهرة واضحة بالأخص إبان فترة الحرب الباردة بينها وبين ما كان يسمى بالمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي السابق.

 

من أبرز حوادث منع الزعماء من الوصول إلى منصة الأمم المتحدة، حادثة رفض الولايات المتحدة منح سمة الدخول للزعيم الفلسطيني، قبل أن يصبح الرئيس الفلسطيني، ياسر عرفات عام 1988، وعبرت الأمم المتحدة حينها رسمياً عن استهجانها للقرار. هناك حوادث أخرى عديدة، لكن واشنطن كانت تنصاع بعدها لمطالب الأمم المتحدة بمنح زعماء العالم حق الوصول إلى الأمم المتحدة. من أبرز تلك الحوادث المماطلة في منح سمة الدخول للزعيم والرئيس الكوبي فيدل كاسترو، الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، والزعيم الليبي معمر القذافي، لتعود وتمنحهم إياها.

حجة الذين يخالفون الولايات المتحدة في رأيها هذا وسندهم القوي أن القادم إليها غايته الأمم المتحدة، وليس من المعقول والمقبول أن تتحكم برؤساء ووفود الدول إلى المنظمة الدولية، لأن مقر المنظمة يقع على أراضيها. برزت بين فترة وأخرى، مرة على استحياء وتارة بصوت عالٍ، مطالبات بنقل مقر الأمم المتحدة إلى خارج الولايات المتحدة لتجنب هذه المماحكات والإشكاليات بينها وبين مختلف دول العالم. كان هذا قبل تشريع قوانين الإرهاب بداية القرن الحالي، وقبل أن يعرف العالم موجة التفجيرات الانتحارية.

 

أعلنت الولايات المتحدة الثلاثاء الماضي لأول مرة علناً أنها لن تقبل ترشح أبو طالبي بسبب دوره في أزمة احتجاز الدبلوماسيين الأميركيين وجعلهم رهائن بسفارتهم في طهران عام 1979. قالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية جين ساكي: "بسبب دوره في أحداث 1979 التي هزت الشعب الأميركي، من غير المقبول منحه تأشيرة دخول"، في أول شرح علني من واشنطن لقرار رفض أبو طالبي. وكان الأخير قد أقر بتورطه في الاحتجاز، ولكنه ادعى أنه لعب دور "مترجم ووسيط"، أي لم يحمل سلاحاً ضد الرهائن الأميركيين الذين ظلوا معتقلين طوال 444 يوماً.

 

ترفض إيران بالمقابل تعيين شخص آخر محل السفير أبو طالبي، فهل يعني هذا أنها ستترك المنصب خالياً، وبالتالي تخفض مستوى تمثيلها الدبلوماسي لدى الأمم المتحدة؟ ستبدو إيران وكأنها تعاقب نفسها بنفسها، أو تبدي تذمرها من الأمم المتحدة فقط لأن تخفيض مستوى التمثيل خطوة غير محبذة في التعامل الدبلوماسي وتلجأ إليها الدول أحياناً للتعبير عن عدم رضاها من الطرف الآخر.

 

الواقع إن القرار الأميركي مبني على حسابات داخلية أكثر من أي مخاوف تتعلق بـ"خطورة" أبو طالبي عليها. فالرئيس الأميركي باراك أوباما يواجه معارضة داخلية من صقور كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي لخوض إدارته المفاوضات المباشرة مع إيران لحل أزمة الملف النووي، ضمن إطار مجموعة الخمسة زائد واحد (الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا). في حال منح أبو طالبي حق دخول الولايات المتحدة، لربما يقرر المسؤولون الأميركيون أنه من غير الممكن لهم أن "يخوضوا معارك داخلية جانبية" حول إيران إلى حين إبرام الاتفاق النووي المتوقع بحلول يوليو المقبل إذا سارت الأمور على ما يرام.

 

الأمر نفسه بالنسبة للرئيس الإيراني روحاني، الذي بدوره لم يدل بتصريحات "غاضبة" حول رفض أبو طالبي المقرب منه، بل فضل التركيز على القضية الأكبر والأهم بالنسبة للحكومة الإيرانية، وهي رفع العقوبات الخانقة على البلاد من خلال الاتفاق النووي. تقدمت إيران هذا الإسبوع بشكوى رسمية إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بهذا الأمر، ولكنه سلوك موجه للاستهلاك المحلي في طهران، كي تقول حكومة روحاني أنها "احتجت"، فاللجنة التي تتلقى الشكوى تقدم التوصيات فقط ولا يمكنها إلزام واشنطن بالتراجع عن قرارها. امتنعت إيران عن اتخاذ إجراء أشد، مثل تأجيل موعد المفاوضات المقبل مع الأميركيين أو حتى إدلاء وزير خارجيتها بتصريحات شديدة في هذا الأمر، فقد التزم الصمت حياله تاركاً لنائبه عباس عراقجي والناطقين باسم وزارته التعليق للإعلام الداخلي.

 

هناك جهات كثيرة أفرحها رفض واشنطن منح سمة الدخول للسفير أبو طالبي، إذ يلبي ذلك رغبتها برؤية العلاقة بين البلدين وهي على أسوأ ما يكون، في حين هناك من يعتبر هذا الموضوع والجدل الذي أحدثه بمثابة سحابة صيف لا تلبث أن تنجلي لتبزغ شمس العلاقة الوليدة - مجدداً - بين البلدين وتزداد حرارتها، رغم أن سحابة الصيف قد تأتي أحياناً بزخة مطر، لا غير.

التعليقات

المقال التالي