هل مصورو الباباراتزي في انقراض؟

هل مصورو الباباراتزي في انقراض؟

أعلى الرافعة، بين أغصان الأشجار، بتوازن على سياج عالٍ، أو ركضاً خلف الليموزين، لالتقاط الصورة التي قد تترأس صفحات الصحف الأولى. مهنة الباباراتزي هي هواية الصيد الشهيرة التي تلاحق المشاهير لالتقاط صور واقعية لهم، تعرضها أمام منظار العالم أجمع، لأن ذلك ببساطة يسلي الجمهور الكبير. ككل هواية صيد، ينظر للصياد وكأنه مجرم يقتل الخصوصية التي هي من حق كل إنسان. ولكننا تحولنا اليوم كلنا إلى باباراتزي، نحمل أسلحة الإعلام الاجتماعي لالتقاط المشاهير أو الأقل شهرة منهم. هل يعني ذلك أن مهنة الباباراتزي أصبحت في خبر كان؟


"باباراتزي" مصطلح ابتكره المخرج الإيطالي Fellini في فيلم La Dolce Vita أوائل الستينات، عبر دمج كلمتي “pappataci” أي ذبابة صغيرة و”ragazzi” الفتيان. تطور المشهد ليصبح فتيان الباباراتزي بنظر العالم عبارة عن رجال وقحين يتسللون إلى الحياة الشخصية لكبار النجوم. إذا بحثتم في حياة أهم الباباراتزي في العالم، تجدون أنهم يكرّسون حياتهم لخطف لحظة من حياةٍ مشهورة تارة، ثمّ يذهبون في يوم آخر للحرب، ليكونوا شاهدين على الحقيقة. يذكرنا ذلك بالمصور Nick Ut، وصورته الشهيرة من حرب فيتنام، التي التقطت فتاة تركض عارية في الشارع بعد أن تم قصف ضيعتها بمادة النابالم. بعد مرور 34عاماً على تلك التحفة الفوتوغرافية، التقط صورة رائعة لـParis Hilton ، وهي تبكي لدى خروجها من محكمة لوس أنجلوس.  يجعلنا ذلك نفكر أكثر بتحوّل مهنة التصوير وفق الأهمية والطلب لدى الجمهور، الذي هو بلا شك، مسؤول عن ولادة مهنة الباباراتزي.

 

Vietnam Napalm 1972

download (13)


خلال أكثر من نصف قرن، اعتدت مهنة الباباراتزي على الحياة الشخصية والعملية لكبار النجوم. بين الحياة والموت والعزّ والكآبة، تصارعوا مع أشباح الباباراتزي أمام أعين الجميع. أكثر النجوم الذين تأثروا باعتداءات الباباراتزي هم من النساء، والباباراتزي المعتدون هم بالإجمال رجال. لربما لهذا الأمر بالذات تتحول تلك المهنة إلى إثارة تغيظ الجمهور. صور إخبارية تؤكّد الشائعات المتداولة وصور أخرى تظهر ببساطة مشاهير يتسوقون أو يحتسون القهوة. مهما كانت أهمية المضمون، النجوم يلمعون خلف عدسات الكاميرا، والجمهور يعشق بالفطرة تأمل نجومه في حياتهم اليومية.


«بابارازي! مصوّرون، نجوم وفنانون» Paparazzi ! Photographes, stars et artistes هو عنوان المعرض الذي يقام حالياً في فرنسا في مركز Pompidou-Metz لغاية 9 يونيو، والذي يعرض أكثر من 600 صورة مسروقة لكبار النجوم على مدى أكثر من نصف قرن، ويظهر تطور تلك المهنة وتفاعل النجوم والجمهور مع كل حكاية. فكرة إقامة ذلك المعرض في الوقت الراهن لم تأت عن طريق الصدفة، ففرنسا في أوج صراعها بين رئيس جمهوريتها وعشيقته الحالية وعشيقته السابقة، بسبب صورة التقطها الباباراتزي الفرنسي الشهير Sebastian Valiela. في شهر فبراير الماضي عرضت مجلة Closer بنسختها الفرنسية صورة للرئيس الفرنسي François Hollande مغادراً منزل الممثلة Julie Gayet على دراجته النارية. بعد مرور أسبوعين على تلك اللقطة، قطع هولاند علاقته بالسيدة الأولى غير الرسمية Valérie Trierweiler. الصورة التقطها أحد أهم الباباراتزي في العالم Sébastian Valiela، الذي كان قد فضح منذ 20 عاماً قصة الإبنة السرية للرئيس الأسبق François Mitterrand، من خلال صورة واحدة منخفضة الجودة التقطها لحظة خروجهما من مطعم فرنسي.

حتى ولو كان الثمن الذي قد يدفع غالياً، لا يمكن نفي أن مهنة الباباراتزي يمكن لها أن تصنع التاريخ كما تشهد عليه أيضاً. أمر استدركه بعض النجوم فحاولوا الاحتيال على قوة تأثير صور الباباراتزي على الجمهور الإعلامي، من خلال جذب الأنظار إليهم في صور لمشاهد زائفة مفتعلة يُدفع ثمنها غالباً لباباراتزي مبتدئين في المهنة، مثلما كانت تفعل Sophia Lore، حسب ما يظهره المعرض.


أيقونة أخرى تتوّج المعرض، الأميرة دايانا، التي ماتت في حادث سير وهي تحاول الهرب من عدسات الباباراتزي الذين تم اعتبارهم جزئياً مسؤولين عن وفاتها. علاقة الضحية بالباباراتزي هي علاقة مميزة تخبر الكثير عن الشخصين المعنيين وعن تحديهما لبعضهما البعض. هكذا نجد شخصيات مثل Sandra Bullock وKylie Minogue تدير الكاميرا ناحية الباباراتزي الذي ينقض عليها، وأخرى مثل Miley Cyrus وSean Penn تردّ على ذلك الاعتداء باعتداء جسدي أو بإظهار الإصبع الوسطى. البعض الآخر لا تقترب عدسة الباباراتزي منهم، ما يؤكد أن الضحية هي مسؤولة جزئياً عن جذب العدسات نحوها، في حين يكون الباباراتزي يمارس مهنة الصحافة الواجبة عليه.


أمر آخر ربما يقف وراء إقامة المعرض في هذه الفترة من التاريخ الرقمي، ذلك أن مهنة الباباراتزي تبدو مهددة من قبل ملايين المنافسين والخصوم الحاملين لكاميرات الهواتف النقّالة. هنا يطرح السؤال، من يحتاج إلى عدسات الباباراتزي وإعلاميي الترفيه، في وقتٍ تصل فيه المعلومة والصورة أسرع في صفحات فايسبوك وتويتر وانستاغرام. كان قلق المشاهير متعلقاً فقط بعدسات الباباراتزي، لكنه الآن متعلق بالأعداد الهائلة من مصاصي الدماء الإلكترونيين. وسائل التواصل الاجتماعي جعلت كذلك من كل مشهور وإنسان عادي باباراتزي نفسه، يحمّل الصور التي تظهر الوجه الأفضل له، أو مشهداً يريده أن يصل للجمهور الكبير أو الأصدقاء، بهدف التلاعب والحث على التعاطف أو التضامن. في عهد الباباراتزي كان لمصطلح الخصوصية أهمية كبيرة، لأنه ببساطة، كان لها وجود فعلي، أما اليوم فكاميرات الهواتف الذكية المصوّبة أينما كان قضت على ذلك المفهوم، وأجبرت المشاهير والأقل شهرة منهم على التأقلم مع ذلك الوضع.


إذا فكرنا في مقارنة الحقبتين، نستدرك أن الصحافي الباباراتزي والإعلامي التواصلي يشبهان بعضهما البعض من جهة الاعتداء على الخصوصية، ولكن الفرق أن ملاحقة الأول قضائياً على صورته أسهل بكثير من معاقبة الثاني، وربما لهذا السبب تحديداً تكثر الصور الباباراتزية من النوع التواصلي أكثر من نوعها الصحفي. معظم الفضائح التي تخص المشاهير يتم تداولها أولاً على شبكات التواصل ثم تؤكدها الصحافة الباباراتزية، التي ما زالت تتمتع بثقة أكبر لدى الجمهور. الجيل الجديد اليوم يرى الخصوصية بمنظار آخر، وأحياناً لا يفكر مرتين قبل الضغط على لايك أو شير، ما يؤدي إلى تراجع وتيرة الانتقادات الموجهة لعمل الباباراتزي، كما قبل حقبة الكاميرات التواصلية.


جيل الـGossip Girl يرى نفسه باباراتزي الحاضر والمستقبل، بذلك السلاح الذي يستخدمه دون تردد مع الأصدقاء والمشاهير والمجهولين حتى، لالتقاط صورة ربما ستجذب الأعين أكثر من أية صورة إعلامية. لكن الهواية تبقى هواية، والصورة التي يتم التقاطها في لحظةٍ ما عن طريق الصدفة بكاميرا قليلة الجودة لا تقارن بعمل طويل يتضمن البحث والملاحقة والتحقق وحتى البحث في النفايات لإيجاد الدليل الوحيد الذي سيثير لعاب الجمهور، ويعيد أحيناً كتابة التاريخ، ربما كما يجب أن يُكتب.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي