بين الدولة المدنية والعلمانية: إشكالية المصطلح

بين الدولة المدنية والعلمانية: إشكالية المصطلح

شهد واقع منطقتنا المضطرب منذ ثلاثة أعوام، دخول مصطلحات جديدة إلى المشهد السياسي والإعلامي، وشيوع استخدامها بدلالاتها الخاطئة. من أهم هذه المصطلحات، "الدولة المدنية"، المستخدم بدلالات كثيرة تختلف اختلافَ المنادين به وغاياتهم السياسية.

مقالتان لـ"جون لوك" John Locke، رائد التنوير الإنكليزي، عن الحكومة المدنية Civil Government، توضحان المصطلح، حيث عرّف المجتمعَ المدني بجماعة أفراد يعيشون في ظل قانون ثابت وقضاء عادل يلجؤون إليهما للبَتّ في الخصومات التي تنشأ بينهم، وهذا ما يكفل الانتقال من حالة المجتمع الطبيعي إلى مجتمع سياسي مدني.

إن نتائج البحث عن تعريفات "الدولة المدنية" المكتوبة باللغة العربية في فترة ما قبل الانتفضات العربية، تكاد تكون معدومة. فهو مصطلح مستحدث ومن الصعب معرفة أصله بدقة، حيث يمكن تعريف الصفة المدنية بأنها حالة تعبر عن انتساب الفرد للدولة وخضوعه لقوانيها من حيث التزامه بواجباته وتمتعه بحقوقه المدنية كفرد معترف به من قبل مؤسسات هذه الدولة وأفرادها. وربما جاءت من هنا بعض التسميات الدارجة كالزواج المدني وسواه من المصطلحات التي تحدد حالة الشخص كعضو في المجتمع وتعريفه في سجلات الأحوال الشخصية وأحكامها كالزواج والطلاق.

يُستخدم هذا المصطلح أحياناً للدلالة على الحكم المدني للدولة نقيضاً للحكم العسكري، يتفق على استخدامه بهذه المعنى تيارات ليبرالية ودينية معاً، بينما يطالب آخرون بحكم الدولة المدنية نقيضاً للدولة الدينية. هنا تقع الإشكالية الأساسية، حيث ترفض بعض الحركات اليمينية المتطرفة القبول بهذا التعريف باعتباره دخيلاً على مجتمعاتنا، لا يناسب طبيعة تكوينها الفكري، ويمثل صنيعة غربية هدفها إلغاء الهوية الثقافية لشعوب المنطقة المتدينة والمؤيدة للحكم الديني، حسب تصورهم. لكن بالمقابل، فإن بعض الحركات الدينية تقبل بهذا المفهوم كمصطلح توافقي، ولا شك أن هذه الحركات راجعت سياساتها حتى استطاعت الوصول إلى صيغة تُمَكّنها من الاستمرار ضمن ظروف المرحلة، والتعايش مع مختلف القوى والأحزاب.

من هذه الحركات مثلاً "الإخوان المسلمون" الذين قال المفكر السوري صادق جلال العظم عن مشروعهم المطروح مؤخراً إنه "تضمن أفكاراً ليبرالية وحديثة عن دولة مدنية، فهم لا يستخدمون مصطلح (علمانية) وأكدّوا في هذين المشروعين المنفصلين حرية الرأي وحرية ممارسة الشعائر الدينية". يميل العظم، مثل كثير من المثقفين والعلمانيين واليساريين، إلى الاجتماع مع تلك الحركات الدينية على أساس "الدولة المدنية" كحل توافقي، حتى لو كان المصطلح غير دقيق ومستخدَماً كبديل عن "العلمانية" التي يعرّفها بـ"الحياد الإيجابي للدولة إزاء الأديان والمذاهب والإثنيات التي يتألف منها المجتمع". كما يعتبِر العظم هذا التعريف مناسباً للعالم العربي وضرورياً أيضاً، ويقول عن إشكالية التداخل في المصطلحين وتطبيقهما إن "الحل هو في تطبيق قانون محايد، هو القانون المدني. وإذا لم يريدوا كلمة حكومة علمانية نقول حكومة مدنية لأن البديل عنها هي حرب أهلية".

إن الطرح السابق يحدد استخدام مصطلح "الدولة المدنية" كدولة مواطنة، بمعنى المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات على اختلاف أجناسهم وانتماءاتهم، كما يكرّس الدستور كناظم للسلطات في الدولة، والقانونَ الوضعي كسلطة عليا يلجأ إليها جميع الأفراد، ويضمن حرية العمل السياسي والتعبير والإعلام. لكن المشكلة تكمن في مطالبة البعض بدستور يعرّف الدولة على أنها مدنيّة ذات مرجعية دينية، ما ينزع عن الدولة علمانيتها ويفرغ المصطلح من مضمونه، ويكرس الفصل بين القول به وتطبيقه الفعلي. في مصر مثلاً، لم يهدأ الجدل حول مطالب التيارات المدنية بإلغاء خانة الديانة من البطاقة الشخصية باعتبارها خطوة أولى لتكريس مبدأ المواطنة، بينما تعتبر التيارات الدينية هذه الخطوة محاولةً لتحييد المجتمع عن هويته وثقافته الدينية. في لبنان، لم تثمر جهود القوى المدنية على مر السنين الماضية في إقرار قانون للزواج المدني، رغم توقيع وزير الداخلية مؤخراً على أول عقد بين زوجين لبنانيين قاما بشطب القيد الطائفي من سجلات الأحوال الشخصية، إلا أنه طُلب منهما الإلتزام بإتباع قانون الاحوال الشخصية المعمول به في كل ما يتصل بمفاعيل هذا الزواج، الى حين صدور قانون مدني للاحوال الشخصية ينظم الزواج المدني.

أخيراً، وبصرف النظر عن الأصل التاريخي والنقدي لمصطلح الدولة المدنية، فإن استعماله بمعنى دولة المواطنة لا يتنافى أبداً مع منطق العلمانية الجزئية، بمعنى فصل الدين عن السياسة في الدولة، وتحييد المؤسسات الدينية عن دوائر صنع القرار، وكذلك منع مؤسسات السلطة من تسخير الدين في خدمة دين معين على حساب الأديان الأخرى، ووقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع أبنائها، وهذا الاتجاه هو السائد حالياً لدى معظم منظّري ودعاة العلمانية في العالم العربي.

نشر على الموقع في تاريخ 03.09.2013

التعليقات

المقال التالي