ذوو الحاجات العامة، عربياً

ذوو الحاجات العامة، عربياً

لم يميز الدستور اللبناني في مادته السابعة بين مواطن ذي حاجات خاصة وآخر عادي، إذ أن "كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم"، وذلك شأنه شأن كل الدول العربية. غير أن هذا الواقع لا يتماثل مع مجريات الحياة العامة وتفاصيلها. في كل موسم انتخابي مثلاً، تبدأ معاناة المعوق لحظة مغادرته منزله متوجهاً إلى مركز الاقتراع. يصطدم في مشواره بعقبات شتّى (لوجستية وإنسانية) حلّها بديهي ولكنها لا تزال غائبة، ما يعكس إمعاناً من قبل الدولة في تجاهل حقوقه التي يكرسها الدستور. يحاول موقع "رصيف 22" تسليط الضوء على واقع ذوي الحاجات الخاصة في العالم العربي وأين هم من تطبيق القوانين المتعلقة بحقوقهم.

المغرب تفتقد التحديث والتشريع

يقدر عدنان الجازولي رئيس "منتدى المغرب إعاقات وحقوق"  أعداد ذوي الحاجات الخاصة في المغرب بحوالى 4 ملايين شخص من أصل 35 مليون نسمة. يعود آخر اهتمام رسمي بحسب الجازولي في هذا الموضوع إلى ما بين عامي 2004 و2008 عبر "بحث وطني شمل ثماني جهات، وتناول مجموعة من القضايا الهامة منها التعليم، الصحة، العمل والخدمات الإجتماعية". بحسب هذا البحث، "25 ٪ من العائلات المغربية لها علاقة مباشرة، أو غير مباشرة، بذوي الحاجات الخاصة، مع الإشارة إلى أن نسبة ضعيفة جداً منهم يتابعون دراستهم الابتدائية، الثانوية أو الجامعية لعدم اهتمام الدولة بإلحاقهم بالمؤسسات التعليمية".

يوجد في المغرب بضع مراكز تستقبل عدداً محدوداً من الصم، يتعلمون حتى نيل الشهادة الابتدائية. لا يختلف الأمر بالنسبة إلى المعوّقين حركياً وذلك لعدم جهوزية البيئة المعمارية لحاجاتهم. يصفها الجازولي بـ"البيئة المعيقة سواء في المدارس أم في الجامعات أو في الطرق العامة، بسبب غياب المعايير الهندسية المناسبة لذوي الحاجات الخاصة". لفت الجازولي إلى أنّ أبرز المشاكل التي يعيشها ذوو الحاجات الخاصة اليوم هي الفقر والأميّة، "الأمر الذي يحرمهم من حقهم في التعليم أو التمكين الاقتصادي، وبالتالي عدم مقدرتهم على الاستقلال المادي".

أما في ما يتعلق بالجانب القانوني الخاص بحقوق المعوّقين في المغرب، فيرى الجازولي أنه ضعيف جداً. في العام 1981، صدر قانون لم يشمل سوى المكفوفين وضعاف البصر. بعد ذلك كان قانون آخر عام 1993 تحت اسم "قانون الرعاية الاجتماعية للأشخاص المعوّقين" شمل فئات الإعاقة كلها ولكن ظلت غالبية بنوده حبراً على ورق.  صدر في العام 2002 قانون ثالث خاص بـ"الولوجيات"، كالولوج المعماري، الولوج التواصلي والتنقل، لكنه لم يسلك طريقه إلى التطبيق.

يعتقد الجازولي أن "قانون الولوجيات" من أفضل القوانين التي وضعت في المغرب، "وضعه فريق محترف آنذاك، ولكن كان لا بد أن يترافق مع وجود جهاز تشريعي يتطلع إلى إمكانية تطبيق القوانين والمراسيم". بذلك، يرى الجازولي أن القوانين في المغرب هي بمثابة تعبير عن النوايا أكثر منها تصوراً واضحاً لتوجه الدولة نحو ذوي الحاجات الخاصة وأوضاعهم في المجتمع.

في غياب الدولة الراعية، نشأت دينامية مدنية أخذت على عاتقها التخفيف من حدة معاناة هذه الشريحة من المواطنين. ولكن رغم أهميتها، يعتبر الجازولي أنه من غير السليم التعاطي “مع الإعاقة كقضية خاصة، لا كقضية مجتمع. فهي قضية مجتمع في العمق”. كلما حرمت الدولة ذوي الحاجات الخاصة من حقوقهم، ساهمت في تهميشهم وإقصائهم عن الدور الإنتاجي وعن الحياة الاجتماعية العادية، ما يتعارض مع كون دولة المغرب من الدول التي  صادقت على الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان.

لبنان يشرّع ولا ينفذ

بدورها، استندت المديرة العامة التنفيذية للبرامج في "اتحاد المقعدين اللبنانيين" سيلفانا اللقيس إلى التقرير الأخير الذي صدر عن البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية والذي يشير إلى أن المعوقين يشكلون نسبة 15 في المئة من سكان لبنان.

download (1)

مضى 13 عاماً على صدور القانون 220/2000 المتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الحاجات الخاصة في لبنان ويتضمن مئة ومادتين. تقول اللقيس "حتى اليوم لم يطبق هذا القانون سوى بنسبة 25% من بنوده، أما الـ75% المتبقية فتنتظر أجلاً غير مسمى". في رأي اللقيس، مدة 13 سنة كانت كافية لدى الحكومات المتعاقبة لوضع خطة عمل وطنية وسياسات تحضيرية وحملات ترمي إلى تعزيز الوعي والمعرفة حول قضايا الدمج والإعاقة ورصد موازنة تسهل تنفيذه.

نسبة الـ25% من القانون التي استفاد منها ذوو الحاجات الخاصة مباشرةً "تعود إلى إقرار بعض المراسيم، ومنها على سبيل المثال مسألة قانون البناء التي باتت تلزم أصحاب المباني الجديدة بوضع معايير هندسية - لوجستية تتلاءم وحاجات هؤلاء، بالإضافة إلى مسألة الحقوق السياسية التي صدرت في القانون السابق للانتخابات وفيه بنود تؤكد ضرورة تسهيل مشاركة المعوقين في الانتخابات السياسية، كذلك اتخذت بعض الإجراءات على مستوى حقهم في الصحة والاستشفاء".

على المستوى التربوي، توضح اللقيس أن لبنان "يفتقد إلى التعليم النوعي أو التعليم للجميع والدليل على ذلك أن المدارس غير مؤهلة والجهاز التعليمي غير مدرب للتعاطي مع تنوع الحاجات". تتطرق اللقيس أيضاً إلى عدم تطبيق "الكوتا 3%" التي تلزم القطاعين العام والخاص توظيف نسبة 3% من طاقم العاملين لديها من ذوي الحاجات الخاصة، "وغالباً ما يقتصر الأمر على مبادرات تقوم بها بعض الجمعيات بهدف إزالة الحواجز قدر المستطاع".

ما يحول دون تطبيق كامل بنود القانون يعود بحسب اللقيس إلى ما يشهده لبنان من صراعات سياسية عطلت عمل مؤسسات الدولة “فلم تعد قضايا المواطنين أولولية بالنسبة إلى السياسيين، مع العلم أن المشاكل تتفاقم مع تعطيل مؤسسات الدولة".

الإعاقة في مصر: قبل الثورة وبعدها

يترواح عدد سكان مصر بين 85 و90 مليون نسمة اليوم وتشكل نسبة الأشخاص ذوي الحاجات الخاصة بين 10 و15٪. اختلف الحراك الذي يطالهم بين ما قبل الثورة وما بعدها. في هذا الإطار، تقول رئيسة مجلس إدارة  "جمعية 7 مليون معاق" ريهام المصري أنه "قبل الثورة، انحصرت قضية الإعاقة تحت وصاية وزارة التضامن الاجتماعية، وكان شغلها الشاغل تقديم شهادات تأهيل لذوي الحاجات الخاصة أو إعطائهم راتباً شهرياً بين 80 و260 جنيه (10 - 40$) قبل أن يتوقف". لهذا السبب، انطلق الحراك الحقوقي بين أصحاب ذوي الحاجات الخاصة. تقول المصري "كان حراكنا موجهاً ضد الدولة لعدم تفعيلها قانوناً خاصاً بذوي الحاجات الخاصة، ولا سيّما عدم تفعيلها للاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي أبرمتها عام 2008".

ثمة مشاكل كثيرة تواجهها هذه الفئة، منها عدم وجود جهة رقابية تلزم الدولة تأمين حقوق ذوي الحاجات الخاصة، وتلاحق تطبيق العقوبات على المؤسسات التي تخالف توظيف نسبة 5% من المعوقين مقابل كل 50 عامل لديها. الدولة تغض الطرف عن المؤسسات التي تخالف تطبيق هذا البند من القانون رقم 39/75، الذي يعود إلى 38 عاماً وغرامة هذه المخالفة (100 جنيه - 15 $) باتت تعد زهيدة جداً مقارنة بالماضي. ذوو الحاجات الخاصة لا يحظون كذلك بتأمين صحي، أو بأدنى متطلبات الرعاية. في ظلّ هذه الأوضاع، ينتظر المصريون اليوم أن يتم التصويت على الدستور الجديد الذي يتضمن العديد من المواد الداعمة لقضية المعوقين في مجالات مختلفة.

نشر على الموقع في تاريخ 08.01.2014

التعليقات

المقال التالي