ما أثر أزمة القرم على مونديال روسيا 2018؟

ما أثر أزمة القرم على مونديال روسيا 2018؟

لم يكن أشد المتشائمين بمنعكسات الأزمة السياسية بين روسيا والدول الغربية، يتوقع أن تصل ارتداداتها إلى الساحة الرياضية التي يحاول القائمون عليها إبعادها كل البعد عن ميادين الساسة. وذلك في سبيل الاحتفاظ بإحدى النشاطات البشرية القليلة التي لم يتم استغلالها لمآرب أخرى!


على بعد أيام قليلة من بدء مونديال البرازيل المنتظر، فجرت صحيفة جيروزاليم بوستJerusalem Post الإسرائيلية مفاجئة من العيار الثقيل حينما تحدثت عن إمكانية أن يحل منتخبها الوطني بدلاً عن نظيره الروسي في البطولة المقبلة، بناء على رسالة أرسلها سيناتوران أمريكيان للاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA. الرسالة التي أرسلت إلى رئيس الفيفا سيب بلاتر Sepp Blatter، طالب فيها كل من السيناتور مارك كيرك Mark Kirk ودان كوتيس Dan Coates، منع المنتخب الروسي من المشاركة في المونديال المقبل، بالإضافة إلى سحب شرف تنظيم مونديال 2018 من روسيا، وذلك عقوبة لها على ما فعلته في القرم.


حاولت الصحيفة الإسرائيلية استغلال هذه الأنباء لتؤكد أن المنتخب الإسرائيلي هو الأحق بتعويض نظيره الروسي في حال تمت معاقبته، واستندت على ذلك بكونه حلّ ثالثاً خلف روسيا الأولى والبرتغال الثانية التي تأهلت بعد الفوز على السويد.  هذا الأمر بكل تأكيد ليس بالسهولة التي افترضتها الصحيفة، ففي حال أخذت الفيفا الموضوع بعين الاعتبار، فإن البرتغال ستتأهل أولاً عن المجموعة السادسة وسيتوجب على المنتخب الإسرائيلي حينها لعب الملحق الأوروبي المؤهل، أي ملاقاة المنتخب السويدي الذي خسر أمام نظيره البرتغالي.


أما صحيفة آس AS الإسبانية فقد استدلت على إمكانية أن يبصر قرار استبعاد روسيا من المونديال النور بناء على تجربة سابقة قامت بها الفيفا مطلع التسعينات عندما حرمت المنتخب اليوغوسلافي من اللعب في بطولة يورو 1992 التي أقيمت في السويد، وذلك بسبب الحرب الطاحنة التي اندلعت في البوسنة، وما رافقها من ارتكاب لجرائم ضد الإنسانية. المثير للدهشة أن المنتخب الدنماركي الذي حل بديلاً عن منتخب يوغوسلافيا، تمكن من الوصول إلى المباراة النهائية وتغلب فيها على نظيره الألماني، في بطولة لا زالت عالقة في أذهان الجماهير حتى الآن.


استمر استبعاد الفيفا للمنتخب اليوغوسلافي في بطولة كأس العالم 1994، قبل أن يعود إلى بطولة العام 1998 بعد أن وضعت الحرب أوزارها. ربطت الصحيفة الإسبانية حدوث قرار مشابه مع روسيا بتدخل سياسي على أعلى المستويات، وهو أمر غير ممكن قياساً إلى تفاصيل الأزمة الروسية الأوكرانية التي تبدو في طريقها لانفراج جزئي بعد المفاوضات الأمريكية– الروسية الأخيرة. أضف إلى ذلك أن ما حدث في القرم الأوكرانية تم عن طريق استفتاء شعبي، وإن كان يعتبر مخالفاً بالنسبة للغرب، غير أنه لم تكن هنالك أية حروب أو جرائم ضد الإنسانية.


متابعون عرب ذهبوا بخيالهم أبعد من ذلك، حينما بدأوا التفكير باحتمال انسحاب المنتخب الجزائري من المونديال في حال تأهل المنتخب الإسرائيلي بدلاً من الروسي تجنباً لمواجهته، الأمر الذي قد يعرض المنتخب لعقوبة من الاتحاد الدولي لكرة القدم من الممكن أن تصل للطرد من البطولة. بالعودة إلى صحيفة آس، فإنها أشارت إلى تحذير الاتحاد الأوروبي لكرة القدم UEFA أنديته من التعامل مع الشركات التجارية الروسية كشركة غاز بروم Gazprom الراعية لنادي شالكه Schalke الألماني الذي قد يضطر لفسخ تعاقده مع الشركة وإزالة شعارها من على قميصه.


الرد الكروي الرسمي على هذه الأخبار لم يتأخر كثيراً، إذ أعرب ميشيل بلاتيني Michel Platini رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم عن انزعاجه من طلبات معاقبة روسيا رياضياً لدرجة تصل إلى سحب شرف تنظيم المونديال منها. النجم الفرنسي السابق قال إن "من السهل على عضوين في مجلس الشيوخ الأمريكي الطلب من الفيفا استبعادروسيا، لقد بدأت أشعر بالضيق من هذه الطلبات. إن من يسعى إلى ذلك لا يحب الرياضة". من جهته، قال رئيس الاتحاد الدولي سيب بلاتر إن كرة القدم ضحية لنجاحها وشعبيتها و"ينبغي علينا حماية هذه الرياضة من النفوذ السياسي". كما أكد العجوز السويسري تعرضه للكثير من الضغوطات بسبب اختيارات الفيفا المثيرة للجدل حينما منحت روسيا وقطر شرف تنظيم مونديالي 2018 و2022 على التوالي.


رغم كافة التحذيرات والأصوات المطالبة بإبعاد السياسة عن الرياضة، إلا أن أجواء الحرب الباردة التي يراها العديد من المراقبين تقترب رويداً رويداً بين روسيا وأمريكا، قد لا تدع للرياضة مجالاً لاتخاذ قرار مستقل. شبكة سي إن إن CNN الأمريكية نقلت عن الخبير الاقتصادي ديفيد كلارك David Clark، رئيس ما يعرف بـ المؤسسة الروسية  Russia Foundation قوله إن "استهداف الكبرياء الروسي فيما يتعلق بالقضية الأوكرانية قد يكون أكثر فعالية من العقوبات الاقتصادية، إذا ما اتخذت مجموعة كبيرة من الدول قراراً بمقاطعة بطولة كأس العالم التي ستستضيفها روسيا، وهو أمر سيضر بمكانتها أكثر من أي شيء آخر".

عمر قصير

صحافي سوري مقيم في تركيا، مساهم في عدد من وسائل الإعلام السورية المكتوبة والمرئية. متخصص في الشؤون الرياضية.

التعليقات

المقال التالي