كنت سجيناً في مصر

كنت سجيناً في مصر

جاء حكم الإعدام على 529 شخصاً من جماعة الإخوان المسلمين المصرية ليصيب العالم بالذهول، إذ كيف ومتى وأين تمت محاكمتهم! لكن لا تستغربوا، سأروي لكم قصة معاناتي الشخصية في السجون المصرية. نعم، كنت مسجوناً في مصر.

"التهمة"  

صادف يوم الأول من فبراير 2014 نيتي زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب، أردت توثيق هذا الحدث، وكذلك المساهمة في إحياء الثقافة من خلال إعداد مادة فيلميّة تهدف إلى التشجيع على القراءة. قمت لذلك بالتنسيق مع إحدى الموظفات في هيئة الكتاب المصرية التي سهلت حصولي على "إذن بالتصوير في المعرض".


لم يكن في حسباني أن سؤالي إحدى زائرات المعرض عن نوع الكتاب الذي اشترته قد يؤدي بي إلى تهمة "قلب نظام الحكم وتهديد الأمن القومي لمصر". كان مجرد سؤال عابر: "ما الكتاب الذي اشتريته؟" وكان الجواب: "اشتريت كتاباً في الطبخ"، تلاه "أنا زعلانه من الإعلام المصري إنه مش مركز على فعاليات معرض الكتاب، الإعلام المصري مركز بس في السيسي والناس التانيه".


تدخلت في هذه اللحظة سيدة أخرى كانت تستمع لما نقول. كانت أشبه بمراقبة لنا، أكثر من كونها مجرد مستمعة. "إنتي بتشتمي السيسي ليه؟". هنا حلت الكارثة،  فبعد أن اشتبكت السيدة معنا ووجهت إلينا أفظع الشتائم، اتهمتنا بأننا تَبَع "قناة الجزيرة".


لم أرضَ أن أدخل معها في مهاترات، لذلك قررت أن أطلب الشرطة التي ما إن حضرت حتى باشرت المرأة تتهمني مرة أخرى بالتبعية لقناة الجزيرة، وأنني شتمت السيسي والجيش. هكذا تحول موقفي من مدّعٍ إلى مدّعى عليه، بل تطور إلى أن أصبحت وفق المحضر الذي تم تسجيل اسمي فيه "مقبوض عليه"!


قد تستغربون ما أقوله، فما حدث أشبه بفيلم يحتوي على الكثير من الأكشن والإثارة. فصل الأكشن الحقيقي كان جلسات التعذيب والإهانة. لا تذهبوا بمخيلتكم بعيداً، يكفيكم أن تشاهدوا الفيلم المصري "إحنا بتوع الاوتوبيس" على سبيل المقارنة. تحت التهديد وعدم القدرة على تحمل الإهانة الشخصية قررت أن أوقع على المحضر الذي اتُهمت فيه بـ"مقبوض عليه بتهمة التصوير"! لم أتدارك الموقف، ولم أعلم ما الذي حدث حتى وجدت نفسي محتجزاً وسط 30 شخص من محبوسي الجرائم الجنائية، 5 منهم فقط بتهم سياسية، 3 من سوريا وتركيا ونيجيريا، و2 من طلاب الأزهر.


في تلك الزنزانة تعايشت بصعوبة مع السجونين إلى أن اضطررت لطلب الانتقال إلى الحبس الانفرادي. كان الجو مخنوقاً بدخان الحشيش، ومختلف المخدرات وكذالك أمواس الحلاقة التي تحولت إلى سلاح تهديد للحصول على الأموال والسيطرة على الزنزانة.


"العدل مش في قسم الشرطة العدل في النيابة". اعتقدت أنني سوف أنال البراءة في النيابة فلا دليل ضدي، وكان لدي 4 شهود لم يستمعوا إلى إفاداتهم ولم يستدعوهم.


في سرايا النيابة توجد حجرة تسمى "الحبس خانة"، وهي قبو معد أساساً لإقامة الرطوبة التي كنا ضيوفاً عليها. الحبس خانة هي السجن الاحتياطي للمتهمين الذين يُعرضون على النيابة العامة، وفيه أنواع وأشكال غريبة وعجيبة من المجرمين. بعيداً عن المعاناة داخل الحبس خانة، تمكنت من الصعود إلى السلم المخصص لانتظار المعروضين على النيابة بعد دفع رشوة لأمين الشرطة، "200" جنيه، كانت السعر السياحي الذي أنقذني من رطوبة الحبس خانة وبلطجيتها. في النيابة كان العدل قد غادر بدون رجعة، فالأحكام تأتي حسب الأوامر والقاضي مسيَّر لا مخير، وكل من شمل ملفه صفة “سياسة” يحكم عليه بتمديد احتجازه على ذمة القضية. 4 أيام، ثم 15 تليها 45، حتى بلوغ 90 يوم من الاحتجاز القابل للتمديد، ولا مجال أمامي كي أطعن أو أستأنف الحكم.


واجهت في بادئ الأمر تهماً مثل "إسقاط النظام، تعطيل الدستور، تعطيل مؤسسات الدولة، تصوير مواد فيلمية لصالح قنوات أجنبية بمبالغ باهظة الثمن، تهديد الأمن القومي المصري وشتم الجيش". لم أكن الوحيد الذي وُجهت إليه تلك التهم، فهي جاهزة لكل من يُقبض عليه من سياسيين أو متظاهرين أو طلاب.


تلا تلك الحالة دورُ الدفاع والمحامين، ولم يكن لهم دور كبير، لكون الحكم سياسياً! لكن  وردني فجأة خبر أن تهمتي قد تغيّرت وهي "إجراء أحاديث صحافية وإعلامية بدون ترخيص مسبق". حين أحالت النيابة العامة الموضوع إلى تحريات المباحث، كانت التحريات غير مطابقة للحقيقة ولم تستند إلى أية أدلة، حيث جاء فيها ما نصُّه: "تبين أن المشكوّ في حقه ليس ذي صفة إعلامية تضفي له الحق بإجراء أحاديث صحافية أو إعلامية حول أحوال المعرض أو البلاد، بل دلت التحريات قيامه بتعمّد إجراء أحاديث صحافية إعلامية مرئية تسيء لأحوال البلاد وتسيء للجيش مما يجعل الرأي العام الدولي ضد جمهورية مصر العربية لما يشاهده من أحاديث مرئية تدل على سوء الحالة السياسية والأمنية والاقتصادية في البلاد، وأن المتهم يستفيد من قبل تلك الأحاديث المرئية بمقابل مادي باهظ الثمن لوكالات الإعلام الخارجية التي من مصلحتها أن تسيء للرأي العام داخل البلاد...".

هكذا استمر حبسي في السجن لمدة 36 يوماً بسبب القصور في إجراءات السفارة اليمنية في مصر، حيث كان الأجدر أن يتم تلافي تطور القضية قبل أن تحال إلى النيابة من خلال التواصل المسبق مع قسم الشرطة والأمن الوطني. للأسف الشديد لم تكن هناك جدية ولا رغبة حقيقية من قبل المحامي الذي كلفته السفارة للترافع عني، إذ قدم مبررات للنيابة تدينني وتدفعها للشك بي، وكل هذا من أجل الحصول على المزيد من الأموال (1500 جنيه للجلسة الواحدة، بالإضافة إلى 5000 جنيه تقاضاها أول الأمر) ما جعل النيابة تشك بأن للموضوع خلفياتٍ وأبعاداً سياسية ودفعها لتجديد مدة حبسي. قصرت السفارة اليمنية كذلك في متابعة الجهات المختصة بفحص شريط الفيديو وإبداء الرأي حول محتوياته، وكذلك تأخر الطلب بالإفراج عني ولو بكفالة وضمانة السفارة.


لكن القدر ساق لي 3 من المحامين المتطوعين من الشبكة العربية لحقوق الإنسان ومن مؤسسة حرية الفكر والتعبير والمجموعة المتحدة، وقد ساهموا بشكل تطوعي في الدفاع عني وإظهار أدلة تبرئتي من التهم الباطلة.


في يوم 4 مارس 2014 تم الإفراج عني بضمان محل إقامتي، مع الاحتفاظ احترازياً بالكاميرا وغيرها لدى النيابة. ولا تزال القضية منظورة! هذا نموذج بسيط لما يحدث في مصر.

التعليقات

المقال التالي