في غزة، اسرائيل تأخذ والشمس تعطي

في غزة، اسرائيل تأخذ والشمس تعطي

في صباح يوم من شهر يونيو عام 2006، أغارت الطائرات الإسرائيلية على محطة توليد الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة مخلفة أضراراً مادية جسيمة وعذاباً مستمراً جراء انقطاع الكهرباء عن سكان غزة، امتدّ لـ8 سنوات. بعد ذلك أصبحت مشكلة الكهرباء هي الشغل الشاغل لسكان القطاع ومحور اهتمامهم.

خلال السنوات الماضية تغيرت الظروف السياسية تاركة أثرها على الجانب المعيشي والاقتصادي، فتبدلت حياة الفلسطينيين في غزة على أثرها وتبدل معها نمط حياتهم المتأقلم مع أزمة الكهرباء بوتيرة مختلفة ومتسارعة من سنة إلى سنة. بعد إغلاق الأنفاق الحدودية مع مصر وشح الوقود اللازم لتشغيل المولدات، استعاض الغزاويون ببدائل أخرى لتوفير الكهرباء في البيوت والمؤسسات عن طريق استغلال الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء لاستكمال أمور حياتهم.

منذ 15 عاماً يعتمد الغزاويون على ألواح الطاقة الشمسية في تسخين المياه كبديل سهل ومتوفر بشدة في الأسواق المحلية، وساهمت هذه الاستراتيحية التي وضعتها سلطة الطاقة في نشر ثقافة الطاقة البديلة وتخفيف أحمال ثقيلة عن محطة الكهرباء التي تعاني عجزاً كبيراً منذ إنشائها. محطة كهرباء غزة التي تصل قدرتها الإنتاجية إلى 130 ميجا وات في أحسن حالاتها، لا تستطيع تلبية الاحتياجات اليومية بشكل متواصل. ثمة عجز كبير قد لا ينتهي أبداً في حالة قطاع غزة المعقدة. تساعد الظروف المناخية لمنطقة الشرق الأوسط على استخدام الطاقة البديلة كحل مثالي، حيث تشهد المنطقة عموما أكثر من 300 يوم مشمس طوال السنة، الأمر الذي دفع أشخاصاً عديدين إلى استيراد ألواح الخلايا الضوئية مباشرة من أجل العمل بها في السوق المحلي.

مؤسسات تعمل على الطاقة الشمسية

شاعت فكرة هذه المشاريع بعد قيام عدة مستشفيات في غزة بتحويل أقسام العناية المركزة للقلب والأطفال إلى العمل على الطاقة الشمسية بشكل دائم دون توقف، بسبب خطورة توقف الأجهزة الذي يؤدي لموت محتم. لذلك قام مستشفى الشفاء، أكبر مستشفيات غزة، بتركيب نظام منفصل موصول بقسم العناية المركزة لمرضى القلب بقدرة كهربائية بسيطة. مستشفى النصر للأطفال شمال مدينة غزة، نفذ مشروع  الخلايا الضوئية، وهو الأكبر من نوعه، لحاضنات المواليد الجدد، وفصلها فصلاً تاماً عن الكهرباء الرئيسية بحيث تصل قدرتها الإنتاجية إلى 20 كيلو واط حسبما يقول الدكتور نبيل البرقوني مدير المستشفى. بعد نجاح الفكرة قامت وزارة التربية والتعليم بتبنيها لتطبيقها على 6 مدارس تعليمية أيضاً، إضافة إلى مرافق عامة أخرى مثل ميناء غزة.

بيوت تعمل بالطاقة الشمسية

في ضوء ما سبق، وفي نطاق الاستخدام المنزلي، لجأ بعض الأشخاص المهتمين بقطاع الطاقة إلى توفير هذا البديل غير التقليدي بسبب الأعطال الكثيرة التي تواجه المولدات الكهربائية وتكلفة الوقود العالية. يترواح حساب الاستهلاك المنزلي ما بين 2 و5 كيلو واط، قادرة على تشغيل الأجهزة الكهربائية لساعات طويلة، ما يساهم في الاستغناء بشكل تدريجي عن الكهرباء. من الجدير بالذكر أن تكلفة الألواح الشمسية هذه لا تتجاوز 10 آلاف دولار، لكنها تعتبر مرتفعة نسبة لمستوى المعيشة المحلي في قطاع غزة. غير أن هذا المبلغ يعتبر معقولاً مقارنة بتكلفة الوقود وأسعارها المرتفعة وكمية الكهرباء التي توفرها الطاقة الشمسية، إضافة إلى قلة الأعطال وصلاحية الاستعمال الذي يتجاوز 30 عاماً.

يختلف واقع الضفة الغربية عن حال قطاع غزة نسبة لتوفر الكهرباء بشكل دائم، لكن تكلفتها دفعت بعض المصانع والبيوت إلى استخدام الطاقة الشمسية كبديل كلي عن الكهرباء التي توفرها الحكومة. في مناطق الأغوار الفلسطينية مثلاً، قامت إحدى مؤسسات العمل المدني التنموية بتزويد 20 عائلة من التجمع البدوي في منطقة رأس العوجا بالطاقة الشمسية. يأتي هذا المشروع كبداية تطمح من خلالها مؤسسات العمل المدني للاستفادة من الطاقة البديلة واستثمارها بشكل فعال على غرار تجارب عديدة سابقة.

على الصعيد الرسمي، قامت وزارة الطاقة في غزة باستحداث "دائرة الطاقة الجديدة والمتجددة والتنمية المستدامة" التي يتمركز دورها الأساسي في دعم الطاقة الشمسية والنظيفة. تطمح الوزارة بمساعدة القطاع الخاص على العمل في مشروعات متعددة، أهمها إنارة جميع الطرق بالطاقة الشمسية ضمن خطة طويلة الأمد. ويتوقع المهندس عوني نعيم أن تصل الاستفادة  من الكهرباء المولدة عن طريق الخلايا الشمسية في العام 2020 إلى 20 بالمئة من إجمالي الطاقة الكهربائية المستهلكة في غزة. لكن تبقى كل الخطط والاستراتيجيات مرتبطة بالوضع الراهن، ومدى استعداد الحكومة لتقديم المساعدة في تطوير هذا القطاع البديل، وتشجيع اعتماده كبديل نهائي.

التعليقات

المقال التالي