إردوغان يحارب حريّة التعبير

إردوغان يحارب حريّة التعبير

بعد ساعات من خطاب ناري لرئيس الوزراء التركي، رجب طيب إردوغان، هدد فيه بالقضاء على تويتر، مُنع الأتراك من التغريد. "لدينا الآن حكم قضائي وسنقضي على تويتر، لا يهمني ما يقوله المجتمع الدولي. سيرى الجميع قوة الدولة التركية"، هكذا صرح إردوغان بالأمس في خطاب انتخابي قبل 10 أيام من بدء الانتخابات المحلية في تركيا.

في تصريح لاحق للمستشار الإعلامي لإردوغان، أوضح أن القرار اتخذ بعد أن فشلت إدارة تويتر في الانصياع لأوامر قضائية تركية بمنع تغريدات مسيئة تحتوي على روابط لتسجيلات قيل إنها تكشف عن قضايا فساد حكومي. وقامت إدارة تويتر إثر ذلك بوضع تعليمات للمغردين الأتراك بأن يرسلوا ما يريدون نشره على تويتر على هيئة رسائل نصية.

وكان إردوغان المعروف بعدائه لوسائل التواصل الاجتماعي قد وصفها في الماضي بأنها "تهديد للمجتمع"، وهدد بأنه قد يمنع كلاً من فيسبوك ويوتيوب اللتين استعملهما المعارضون بكثافة، إضافة لتويتر، لنشر مواد تفضح قضايا فساد تطال مقربين من إردوغان.

هكذا، وبدلاً من معالجة جذور الأزمة يلجأ إردوغان إلى تكميم الأفواه. "إن خطابه الأخير يذكرني بخطب القذافي الأخيرة"، قال مواطن تركي تعقيباً على خطاب إردوغان الأخير. وهو تصرف يعيد إلى الأذهان ما قام به نظام مبارك في محاولة يائسة لوقف زخم الثورة المصرية عام 2011 التي أيدها إردوغان، وعاد الآن ليتصرف كالنظام الذي ثارت الثورة عليه.

ما الذي يمكن لنا أن نستنتجه من هذه القرارات الأخيرة لإردوغان؟

فقدان الصلة بالواقع وبنبض العصر.

قد يجعل هذا المنع من التغريد عملية أصعب مما كانت عليه في السابق، ولكنها بالتأكيد ليست مستحيلة. "الأتراك ضربوا الرقم القياسي في التغريد بعد منع تويتر في تركيا"، هذا ما قالته صحافية تركية فضلت عدم الكشف عن اسمها. وأضافت أن عملية تغيير إعدادات البروكسي proxy setting انتشرت بسرعة بين الأتراك وهي تتحدى المنع الحكومي بكفاءة.

هل أعطى إردوغان مصداقية أكبر لما نشر على التويتر؟

يبدو من قرارات إردوغان الأخيرة أنه قد بلغ حالة من العصبية والشعور بالتهديد بحيث لم يعد يحتمل معها أي ضغط إضافي. وإلى حد ما، قبل إعلان هذا القرار كان الحديث  يدور حول "مزاعم" تتحدث عنها تلك التسجيلات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي. إلا أن هذا الموقف المتشنج من إردوغان يجعل أي مراقب يعيد النظر في افتراض أن تلك التسجيلات ملفقة أو ضعيفة السند. فإن كانت كذلك، فلم كل هذا الخوف الذي يصل إلى حد تكميم أفواه ملايين الأتراك، ووضع تركيا في صندوق معزول عن العالم؟

إلى متى؟

رد الفعل الأوروبي لم يتأخر. نددت المفوضة الأوروبية المكلفة بالتكنولوجيا الجديدة، نيلي كرويس Neelie Kroes، بشدة ليل الخميس/ الجمعة بالإعلان عن حظر موقع تويتر في تركيا، وقالت إن "حظر تويتر في تركيا هو بدون أساس وبدون جدوى وجبان". وأضافت "إن الشعب التركي والأسرة الدولية سوف يعتبران الأمر رقابة وهو كذلك". وقد اختارت أن تدلي بتصريحها على حسابها في تويتر. هل يمكن لإردوغان أن يستمر في تغذية صورة الديكتاتور الجديد لتركيا التي بدأت ملامحها ترتسم في الإعلام الغربي منذ بدأ إردوغان حملته ضد أجهزة الشرطة والقضاء بعد تكشف فضيحة الفساد الحكومي الأخيرة أواخر العام الماضي؟

هل أهدى إردوغان المعارضة سلاحاً جديداً؟

الانتخابات البلدية في تركيا على الأبواب. ربما تكون هذه هي المرة الأولى منذ نجاح حزب العدالة والتنمية عام 2003 في الانتخابات البرلمانية التي يواجه فيها طيفاً بهذا الاتساع من المعارضة. صحيح بالطبع أن المعارضة منقسمة، ولا تزال أضعف من أن تطيح تماماً بإردوغان، ولكن قد نرى في هذه الانتخابات تخلي قسم من مؤيدي إردوغان عنه. فهو الآن في نظر البعض بدأ يمس بحريات المواطنين بحجة الدفاع عنهم، وهي حجة معتادة في الأنظمة الشمولية. إلى أي مدى ستتأثر حصة إردوغان الانتخابية؟ هذا ما ستكشف عنه الانتخابات البلدية بعد أيام، والتي من المؤكد أنها لن تعطي له أكثر مما أعطته في السابق. لن يستطيع أن يتفادى خسارة بعض الأصوات، وقد تكون هذه بداية تغيير جدي في موقف حزبه على الساحة السياسية.

يضع هذا القرار تركيا في نفس الخانة مع دول مثل كوريا الشمالية وإيران، حيث وسائل التواصل الاجتماعي تخضع لرقابة مشددة. وهذه الصورة بدأت تزعج العديد، حتى من مؤيدي الحكومة. صرح الصحافي نازلي إليجاك Nazli Ilicak مثلاً، وهو كاتب عمود سابق في صحيفة الصباح الحكومية في لقاء مع سي إن إن التركية، أن ما حدث "هو انقلاب مدني".

إن طبيعة وسائل نقل المعلومات في عالمنا الحاضر تتجاوز مفهوم الرقابة البالي، خصوصاً في بلد مثل تركيا. على سبيل المثال، فقد انتشر وبسرعة فائقة هاشتاغ #TwitterisblockedinTurkey، وأصبح ضمن قائمة الأكثر استعمالاً على المستوى العالمي. كما أن جريدة الزمان التركية المعارضة تتحدث اليوم عن ثورة عارمة على صفحات تويتر بين مستخدميه الأتراك. أضف إلى هذا أن بلداً مثل تركيا متداخل إلى هذا الحد مع أوروبا المنفتحة يصعب عليه أن يعود إلى الوراء لينغلق خلف قوانين رقابية عفى عليها الزمن.

إن إردوغان يقامر هنا ليس بتكتيل المعارضة ضده وحسب، بل إنه يجر إلى صفوف المعارضة أيضاً جزءاً من المترددين وغير المتحزبين ممن قد يحفظون لإردوغان نجاحه الاقتصادي، ولكنهم يخافون من سيره السريع نحو الديكتاتورية. إضافة إلى هذا، فإن انتقاد الرئيس التركي منع وسائل التواصل الاجتماعي في تغريدة له يعطي مؤشراً حاسماً على تباين الآراء داخل معسكر حزب إردوغان الحاكم.

كانت حجة الأنظمة، التي اقتلعتها ثورات العالم العربي الأخيرة، أنها تريد حماية الشعب عن طريق تقليص حرياته، وها هو إردوغان يسير على نفس الطريق. فكم من الوقت يا ترى سيمضي قبل أن نرى سقوط حزب العدالة والتنمية على أيدي الناخبين الأتراك؟

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي