يوميات فرنسية، في أحوال الدخان والدخان اللف!

يوميات فرنسية، في أحوال الدخان والدخان اللف!

قبيل سفري إلى فرنسا، نصحني أصدقاء كثر بضرورة جلب عدد من "كروزات" السجائر، أو على الأقل بضع علب، لغلائها المرعب في بلد العطور والنبيذ. غلاء بالنسبة إلي، وإلى من حالهم كحالي، وليس بالنسبة إلى سياح وأغنياء قادرين على تحمل مصاريف الدخان. من نصائح التدخين الأخرى: التدرب على لف السجائر. لم آخذ بهذه النصيحة، قائلاً في نفسي إنني سأتعلم اللف سريعاً هناك...

لم يكفني "كروز" الجيتان الذي جلبته معي أكثر من 6 أيام. في اليوم السابع، ومع نفاد آخر باكيت، كانت أعراض التوتر والقلق تتوزع على جسدي، وأيضاً على الغرفة التي أقيم فيها، والتي قلبت أثاثها رأساً على عقب، بحثاً عن باكيت آخر، أو عن سيجارة أخرى، دون جدوى. ليس أمامي خيارات كثيرة إذاً. تدخين اللف خياري الوحيد طالما أنا عاجز عن شراء السجائر العادية بشكل يومي. بالمناسبة، هي سجائر "عادية" في بلادنا لأنها رخيصة، لكنها، الحقيقة، ليست عادية في فرنسا. فمن يدخنون "جيتان"، مثلاً، أو "مارلبورو"، يُعتبرون من "البرجوازيين" هنا. إذ أن أي شخص يحمل باكيتاً، بدلاً من كيس التبغ، هو شخص برجوازي بالضرورة. وهذا يعني أن ذلك الشخص "البرجوازي" معرض للسؤال الشهير في فرنسا: "هل من الممكن أن أحصل على سيجارة؟" بنسبة أكبر بكثير من أي شخص آخر. هذا ما حصل معي "أيام الجيتان". لم أعرف، عندما خرجت مع صديقي للتنزه في ساحة الشاتليه، بعد يومين من وصولي إلى باريس، أنني "برجوازي" في نظر الفرنسيين المدخنين الذين كانوا يرونني بصحبة "السيد جيتان". كان عدد الأشخاص الذين سألوني للحصول على سيجارة كبيراً. لاحقاً، حينما سأتحول إلى "اللف"، سأكتشف أنني صرت من "البروليتاريا"، وأن قليلين جداً هم من سيسألونني عن سيجارة في الشوارع والحدائق والساحات.

أعدت ترتيب الغرفة، بعد أن فقدت الأمل في العثور على سيجارة هنا أو هناك، وخرجت إلى السوبر ماركت رغم غزارة المطر. عرفت قبل يومين أن الرجل صاحب السوبر ماركت القريب من المنزل، جزائري. فاجأني الرجل الذي ما إن يعرف أنك عربي حتى يقول لك "السلام عليكم ورحمة الله" بمناسبة ومن دون مناسبة، فاجأني بأنه لا يبيع الدخان. عدا عن أن ذلك أزعجني جداً لأنني كنت "ملهوفاً" ولو على سيجارة واحدة، فقد بدأت بالتفكير لماذا هذا الرجل لا يبيع الدخان، أو لماذا لم يبعني: هل هو متشدّد ولا يبيع السجائر لأنه يعتبرها حراماً؟ عندما عدت إلى البيت، وقد كنت حزيناً ومتوتراً جداً، أخبرت صديقي عن القصة، فضحك، وقال لي إن بيع التدخين ممنوع في السوبر ماركت، ثم شرح لي أين يمكنني العثور على مكان يبيع السجائر: "في البارات والمقاهي المرخص لها أن تبيع السجائر. يمكنك العثور عليها قرب محطة الميترو". كان علي أن أخرج مرة أخرى، وأمشي أكثر من كيلومتر تحت المطر، لأصل إلى المحطة، وأشتري كيس تبغ من نوع "غولدن فرجينيا"، مع علبة ورق لف، وعلبة فلاتر.

"13 أورو، مسيو"، قال لي الفتى الصيني في البار.

"مغسي بوكو، مسيو"، قلت له وأنا آخذ "كنزي" الثمين من يده.

ترون، إذاً، أن دخان اللف أيضاً غال جداً في فرنسا. لكن ما يشفع لهذا النوع من التبغ، وما يجعله رخيصاً، هو أن الكيس الواحد منه يكفي مدة أسبوع. 6 أورو ثمن أسوأ نوع دخان هنا × 7 أيام = 42 أورو في الأسبوع! هذه العملية الحسابية البسيطة هي التي دفعتني ودفعت كثيراً من أصحاب الدخل المحدود إلى اعتماد اللف. عدت إلى البيت سعيداً جداً بكيس التبغ الأخضر الذي أحمله في جيبي، لم أفتحه إلا بعد أن صرت في غرفتي، خشية من أن يبلله المطر الغزير. شممت التبغ بعد أن أغلقت الباب ورائي، وفكرت للحظة بأن آكله من فرط شوقي للتدخين، إلا أنني صبرت، كما يفعل الحكماء، وقلت في نفسي: "انتظر يا ولد، ستدخن بعد قليل". لكنني لم أتوقع أن "بعد قليل" ستكون 6 ساعات، وهي المدة التي استهلكتها إلى حين استطعت تدخين أول سيحارة لف! الحقيقة إنني لم أكن الذي لف هذه السيجارة، إنما صديقي، الذي حنّ علي وساعدني، بعد أن رآني مقبلاً على الموت لأنني لم أستطع لف السيجارة ولم أدخن منذ ساعات. حاول أن يشرح لي كيف ألف السيجارة، لكنني لم أنجح بالتكنيك اليدوي. بعد أن رآني على هذه الحال من البؤس والشوق إلى السيجارة الملفوفة مسبقاً والمعدة للتدخين الفوري، قال لي: "أتعرف، هناك آلة خاصة بلف السجائر"! فوجئت، وفرحت جداً بهذه الفكرة، وقلت له: "أتعرف؟ أنت واحد من أعز أصدقائي! قل لي، بربّك، كيف أستطيع الحصول على هذه الآلة". أجابني بأن عليّ أن أعود مرة أخرى إلى البار قرب المحطة، حيث يمكنني شراء واحدة ليست غالية. ولأنني كنت فرحاً جداً بالخلاص من التوتر وعدم الارتياح في ظل جهلي بلف السجائر، لم أعط المطر الغزير أهمية كثيرة. هكذا، حملت جاكيتي الذي زاد وزنه، ربما 3 كيلوغرامات بسبب المطر الذي امتصه، وخرجت مسرعاً إلى البار، حيث سيبيعني الفتى الصيني ماكينة Rizla الزرقاء الشهيرة. مرة أخرى، سأتعذب باستخدام الآلة التي كدت أكسرها لأنني لم أتعلم لف السجائر بها. نظرت إلى كيس التبغ، فرأيته شبه فارغ بسبب استهلاكي التبغ في محاولات فاشلة للف السجائر، مرة بيدي ومرة بالآلة. استعنت بـ"يوتيوب" لمشاهدة فيديوهات تعليمية لكيفية لف السجائر. حاولت وحاولت وحاولت، حتى نجحت أخيراً. أحسست أنني ملك لدقائق وأنا أشرب سيجارة لففتها بعرق يديّ! منذ ذلك الوقت، لا أتحرك إلا وآلتي الصغيرة الزرقاء معي، وكذلك كيس التبغ وعلبة ورق اللف والفلاتر. صحيح أن حمل هذه العدة متعبٌ ويحتاج حقيبة خاصة بها طيلة الوقت، إلا أن شعور الطمأنينة الذي تمنحني إياه، ينسيني ثقلها وكبر حجمها.

اليوم، وبعد هذه الخبرة التي جنيتها في عالم التدخين الفرنسي، أفكر في افتتاح شركة لتقديم الخدمات للمدخنين القادمين إلى هذا البلد، على متن خطوط الفقر أو الدراسة أو الجهل بفن لف السجائر!

التعليقات

المقال التالي