لن أزيل شعر رِجلَي بعد اليوم!

لن أزيل شعر رِجلَي بعد اليوم!

قرارٌ مصيري اتخذته بظرف ساعة ونصف صباح اليوم، لدى عودتي من بلدية بعبدا اللبنانية، بلدية القصر الجمهوري التي تحكم فيها العناكب الصغيرة السوداء، غارزةً شبكاتها المعقدة بين جدرانه العتمة. قصدت البلدية لأسدّد ضريبة الإيجار التي تفرضها عليّ كل عام، مقابل خدماتها البديهية الأساسية. كنت واقفة أمام مرآة خزانتي أبحث عن قطعة لباسٍ تليق بالمناسبة المجيدة، عندما لمحت بضع شعراتٍ تزيّن أسفل قدمي اليمنى، فهرعت لأزيلها بالقليل من المياه والموس، حتى أكون بكامل أنوثتي لدى مقابلتي جباة الضرائب، وأناقش معهم بعض المسائل المزعجة في الشارع الذي أقطن فيه.

عبرت بسيارتي الطريق الموازية للقصر الجمهوري، حتى بان لي قصر البلدية الحديث أسفل الغيوم القاحلة بالسواد، تراثي العمار ولبناني الكسم، بكل فخر. "أريد أن أسدّد الضريبة المتوجبة عليّ، ولكن من فضلك أرغب قبل ذلك بالتحدث مع مسؤولٍ حول بعض المشاكل التي أعاني منها"، جملةٌ رميتها بوجه سيدة جالسة على مكتبٍ في قاعة الاستقبال، عيناها بالكاد مفتوحتان من شدة التعب، ولكن مع ذلك قادرتان على التحديق بي بصمتٍ طال لحظات. طمأنتني الآنسة أن من حقي الاشتكاء، وأمسكت قلمها لتكتب الشكوى على كومة أوراق بيضاء جاهزة لذلك. نظرت إلى شفتيّ لتستلم العبارات الخارجة منهما وتحولها إلى حبرٍ أبيض على ورق أبيض.

شكواي بسيطة، سيدتي، ولكنها تعيق مجرى حياتي اليومية. أولاً، مياه الاستخدام المنزلي لم تزرنا يوماً منذ بداية الربيع. ثانياً عامل النفايات لم يزر الشارع الذي أسكن فيه منذ الربيع اللبناني نفسه. ثالثاً، صهريج المياه الذي يركن قرب منزلي، يلوّث بيئتي بمنظره ونفاياته المرمية هنا وهناك.

اسمحوا لي أن أخبركم عن مشكلة المياه في لبنان. البلد الذي كان يصنّف سابقاً الثالث عربياً في غزارته بالمياه، نعم، لبنان الأخضر والأزرق وما إلى هناك من ألوانٍ جميلة، عانى في فصل الشتاء الماضي جراء معدّل الأمطار التي لم تتعدَ ثلث معدل العام الماضي ونصف المعدل الاعتيادي. ليست المرة الأولى التي يخطر على بال الأمطار أن تبخل على لبنان، ولكنها المرة الأولى التي ندخل فيها مرحلة الخطر، في بلدٍ كان يستطيع أن يبيع مياهه لكافة دول الخليج منذ عقدين من الزمن.

الخطط والمشاريع التي وضعها وزراء الطاقة والمياه، وصُرفت عليها أموال كثيرة، لم تنفّذ حتى اليوم. منذ بضعة أشهر، صرّح وزير الطاقة الأسبق أن لبنان سيبيع قسماً من مياهه لقبرص، كخطوة شكر على إجلائها مواطنين لبنانيين خلال حرب تموز 2006، في وقتٍ صرّح فيه المسؤولون أن لبنان يحتاج لشراء المياه من تركيا، كخطوة ضرورية لإنقاذه من الجفاف. حسناً، إمّا أن في الأمر مزحة استباقية للأول من أبريل، أم إنها حرب داخلية في الوزارة، أم أنه، وبسخرية القدر، بيعت المياه فعلاً لقبرص، حتى اضطررنا أن نعيد شراءها من تركيا. وفق ما تتداوله الصحف اللبنانية، الوزارة الكريمة بالذات، تخوض حرباً بنيّة خصخصة قطاع المياه. ولكن المشكلة لا تقف عند حدود ما يدور في أروقة الوزارة، الأسوأ هو ما يحصل على أرض الواقع، إذ نبتت خلف عجز الدولة الجديد مافيات مياه لا ترحم مواطناً! مافيات مؤلفة من الآلاف من عملاء صهاريج المياه، يجولون الشوارع ليلاً ونهاراً ليصطادوا منازل عطشى ويزوّدوها بمياهٍ لا يعلم أحد من أين تسحب. وفق الأقوال المتداولة هنا وهناك، تم حفر آبارٍ بطريقة غير شرعية لسحب المياه من الأرض وبيعها بأسعارٍ خيالية تفوق الـ20$ مقابل كل ألف ليتر، يكفي بالكاد لتغطية احتياجات عائلة متوسطة لأيامٍ معدودة. بعضهم يقول إن المياه التابعة للدولة، هي بحد ذاتها تلك التي يعاد بيعها إلينا بهدف الربح غير القانوني... نشتري مياهاً لا ندرك مصدرها ولكننا نشعر بأنها حتماً امتزجت بمياه الصرف، وأنها تعرضنا لأمراض جسيمة. لا تقلقوا عليّ، فقد وضعت أقراص الكلور في خزاني لأغسل وجهي برائحته الذكية عند كل صباح.

فلنعد لتعابير مدام سكرتير البلدية في وجه شكواي. تكتب وتكتب بلغة بالكاد مفهومة على أسطر تنطلق من صفحة بيضاء وتنتهي في أخرى، دون مبالغة، ثم ترمي القلم وتلتقط الهاتف لتتحدث مع مسؤولٍ داخلي لم أعرف لا اسمه ولا كسمه.

"آلو! إستاذ فلان الفلاني، أمامي سيدة مثل القمر تريد الاشتكاء من مشكلة المياه". سرعان ما تقفل الخط لتتصل بفلان الفلاني ثانٍ وتعيد الشكوى، إلى أن أقفلت وفتحت الخط لمرات متتالية وسريعة، وكأنها ظهرت لديها أيادٍ إضافية كثيرة، لتشبه الأخطبوط المتألّق بـ"تايور" بنفسجي اللون، تتسارع حركات أذرعه بهستيرية، دون جدوى. ما دفع مدام سكرتير إلى الضياع، هو أنني أخبرتها أن ناطور المبنى الذي أقطن فيه حاول اللحاق بمسار قسطل المياه، الذي يصب في بنايتنا بصرياً، إلى أن وجده مكسوراً في حيٍّ أعلى، ربما بهدف الاستيلاء على مياهه، أو ببساطة لقطع المياه عن حيٍ بأكمله، فيلجأ الحيّ مرغماً إلى مافيا المياه غير الشرعية.

أخيراً، ظهرت بوادر الحل في عيني مدام سكريتر، فأعلنت لي أن المسألة ستنحل ما إن أقصد شركة المياه وأقدم طلب لشبكة قساطل جديدة وأدفع أنا وجيراني ثمن تجهيزها وتركيبها.

ما إن لمحت لون بشرتي يتمايل بين اصفرار الخيبة واحمرار الغضب، حوّلتني إلى المهندس "باشا"، الفهيم بحسب قولها في كل تلك المواضيع المعقدة. المهندس باشا رجلٌ مثقف متألق ببذته الرصاصية اللون، يتحدث 18 لغة ونظاراته السميكة تشير إلى أنه إما يكثر من القراءة أو أنه لا يعرفها بتاتاً. المهندس باشا سمع شكواي وقام بالمسرحية ذاتها: الاتصال بمسؤولين آخرين وتبليغهم عن الإهمال الذي يدور في أرجاء البلدية. ثم رمى بنفسه على كرسيه الجلدي، ونظر في عينيّ ليصارحني "آنستي مشكلتك بسيطة جداً. بلديتنا مسؤولة عن قسمٍ صغير من المنطقة، وشارعك بما فيه مياهه ينتميان لفلانٍ آخر من جهة الأخرى، لذا ما من شيءٍ قد تساعدك به البلدية... سيدتي، من كل الموظفين الذين تريهم اليوم، موظف واحد مثبّت ومعترف به من قِبل الدولة، أما الباقون فيعملون فقط من أجل لقمة عيشهم... يا عزيزتي لا يسمح لنا بعدد رجال الشرطة الذين نحتاجهم لتأمين أمان المنطقة... يا دوموازيل لا أعرف لماذا يوجب عليك دفع تلك الضريبة المرتفعة ولكن ما من مهرب منها فهم سيطالونك يوماً ما... يا آنسة أنا تحدثت مع المسؤولين المعنيين ليرسلوا وفداً إلى شارعك. كل ما عليك فعله هو الانتظار... يااا... الدولة اللبنانية بأكملها مهددة بالانقراض".

دفعت الضريبة وخرجت مستنفرة لدرجة أن الشعيرات في رجلي عادت لتنبت بظرف ساعة ونصف فقط. هنا قررت ألا أعود وأزيلها بعد اليوم، لأن ذلك يكلفني ثمناً لم أعد مستعدة لدفعه، ولأن أنوثتي التي تفوح منها رائحة الكلور لم تعد تنفع بين جباة الضرائب، ولأنني ككائنٌ أنثوي مشعّر الرجلين، أشبه أكثر العناكب التي تحكمني.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي