دخن عليها تنجلي

دخن عليها تنجلي

لا أعرف ما السرّ الذي كان يجعلنا نعتقد أن التدخين يهدّئ الأعصاب، فكلما شاهدت رجلاً أخرجوه من مشاجرة محاولين تهدئته شاهدت المشهد التالي: شخص يضيفه سيجرة ويقول له "روّقنا معلم"، وبالطبع فإن هذا السر ما زال دارجاً إلى الآن، وما زال بالنسبة إلي سراً، كما أن مقولة "دخِّن عليها تنجلي" ما زالت سراً أيضاً بالنسبة إلي، لم أحصل على معلومات تؤكد أن النيكوتين يهدئ الأعصاب مثلاً أو يجلي عن الإنسان الهموم والكروب.


فقد كنت في الصف التاسع عندما تعلمت على التدخين النظامي، أي سحب نفَس الدخان إلى داخل الصدر، وقد علّمني على ذلك ابن عمّتي مصطفى صديقي وزميلي في العمل عند والدي في مستودع الأدوية بحلب ورفيق السوء في أوقات الفراغ، كان والدي مصاباً بمرض تحسسي في صدره، وكانت رائحة الدخان تزعجه، كذلك أنواع أخرى من الروائح كالعطور، ولم يكن العمال يدخنون في الصالون الكبير، بل كانوا يدخلون إلى الغرف الخلفية التي نضع فيها عادة الإكسسوارات وأدوات التجميل والقطن والميكروكروم والكحول الطبي.


وذات يوم كنا شلة من العمال الصيفيين في المستودع، أنا ومصطفى وحمودة ابن حارتنا صلاح الدين وضيفنا صلاحو ابن ابنة عمّتي القادم من الدرباسية، كنا في سنّ المراهقة، وكان صلاحو من الشباب الذين "على كيف كيفك"، فالمراهق الدرباسي بوزن الرجل الراشد في المدن الكبرى على كل المستويات، فهو يدخن منذ نعومة أظفاره، في بلدة الدرباسية يمكن لمن هم في سن العاشرة التدخين علناً تلك الأيام، بل كان الأهل يصورونهم وهم في سن الثالثة والسيجارة في أفواههم، حتى أن ابن خالتي سيدو في بلدة سري كانييه بدأ بالتدخين في سن العاشرة تقريباً، فهناك في الجزيرة يرمي لك الكبار السيجارة ويتابعون أحاديثهم عن الموسم وكردستان وثورة الملا مصطفى وجمهورية مهاباد وقاضي محمد بشكل اعتيادي.


ومن هذه الأجواء الرجولية البحتة قدم صلاحو إلينا، أو أبو علي كما يكنى، لم يكن أبي ليشك للحظة واحدة بأنني أدخن، فقد كنتُ أخفي ذلك بشكل متقن عندما أعود إلى البيت من حفلة تدخين باكيت كامل في البرية بأن أمسح كفي وفمي بقشور البرتقال لتزول رائحة الدخان الفاضحة، وذلك بناء على نصيحة من مدخن سبقني بسنوات، وحدث وأننا كنا جالسين في غرفة الإكسسوارات وأدوات التجميل نستريح من عناء العمل ونشرب الشاي وندخن، نعم ندخن يا أبو شريك، مصطفى وأنا وحمودة وصلاحو، صلاحو كان أصغرنا يقف أمام باب الغرفة كحارس متقدم، بينما كان حمودة يقف بجانبه كحارس ثانٍ يتناوب معه على ذلك، في حين كنا نحن المعلمون أبو صطيف وأنا ندخن ونشرب الشاي باسترخاء كامل نظراً لأن ظهورنا محمية بشكل ممتاز، وكنتُ أردد مقولة سمعتها وهي "الدنيا بلا شراب خراب" ولا أعرف لماذا كانوا يشملون التدخين ضمن الشراب، حتى أننا كنا نقول عن المدخن أنه يشرب سيجارات، وفي عز شربنا للسيجارات دخل والدي دون أن يلمحه الحارس الأول، أبو علي..أو صلاحو، وكانت السيجارة تلتمع في يده عندما جاءته كفٌّ مثل فراق الوالدين من يد والدي المباركة، تحطم كبرياء أبو علي، لكنه ما كان ليجرؤ على الرد على خاله العصبي أو والدي، وفي اللحظة التي خُلِعَ فيها صلاحو الكفّ كان حمودة يحاول التخلص من سيجارته، لكن هيهات، فالكفّ التي من نوع (سبق السيف العذل) الشهير كانت قد دهمت وجهه ببراعة لا متناهية، وبالطبع فقد أحسسنا نحن المعلمين بالخطر الداهم، لكننا لم نتحرك من على الكراتين التي كنا نجلس عليها.

تابعتُ سحب النفس وأنا أنظر إلى والدي وسحقتُ السيجارة بقدمي وأنا أنفث الدخان من فمي إلى الخارج، وكذلك فعل مصطفى، ودخل الشك إلى قلب والدي، هل كنتُ أدخن أم لا؟! كانت الصفعتان اللتان قد كالهما لصلاحو وحمودة قد أنهيتا مرحلة الضرب العشوائي عنده، لذلك لم يضربنا أنا وصطيف، بل اقتادنا جميعاً إلى الصالون حتى يتأكد تماماً أننا كنا ندخن، وبدأ التحقيق، وكنا واثقين بأن صلاحو لن يشي بنا، فهو من الدرباسية، وفتيان الدرباسية رجال قبل الأوان، التهمة كانت مثبتة على مصطفى من قبل هذه اللحظة، لكنها لم تكن لتحوم حولي ولو مجرد حومان، كنت بريئاً منها وبعيداً عنها، مع أنني كنتُ أسرق باكيتات الكنت من أمي في الشهر أكثر من خمس مرات، هذا عدا سرقة السجائر الفرط من باكيتاتها يومياً، إلا أن دخاني لحظات الثراء كان المارلبورو الأحمر أو السيجارة الأكثر مبيعاً في العالم، أو تعال إلى حيث النكهة، تعال إلى ونستون، وبالتأكيد مررتُ بتجربة الحمراء القصيرة والشرق، المهم إن التحقيق بدأ، يا صلاحو هل كان لقمان يدخن؟! سأل والدي، لا، قال صلاحو بثقة رجولية لوالدي كما لو أنه صديقه الشخصي رغم أن آثار الصفعة كانت لا تزال مطبوعة على وجهه، كرر والدي السؤال وأعاد صلاحو نفس الجواب، شدّ والدي صلاحو من قميصه عساه يسحب منه الاعتراف تحت التعذيب، لكن صلاحو لم يعترف ورد بشمم وإباء بالإنكار، أمسك والدي صلاحو من قميصه بقوة أكثر بيده اليسرى، وبيده اليمنى تناول الآلة الحديدية الثقيلة التي كنا نربط بها الطرود بواسطة الكبس الحراري، ورفع الوالد يده التي تحمل الآلة الحديدية كما لو أنه سينهال بها على رأس صلاحو، فسارع صلاحو إلى الإعتراف: كان يدخِّن. نعم كان يدخِّن، اعترفَ البطل، أفشى بالسر المقدس، وبناء عليه فقد حاولتُ أن أهرب تحت شعار اللي بيحب النبي يخلي، لكن هيهات، فقد كنا محاصرين يا أبو شريك، وانهالت الكفوف خبط عشواء علينا، في حفلة تأديب علنية جماعية من قبل عدو الدخان الأول والدي العزيز، وبعدها خرجنا أربعتنا مطرودين مهانين من المستودع، مشينا في شوارع مركز المدينة حزانى ذليلين، ووصلنا إلى مدخل سينما الريو، حيث بائع السجائر الفرط، اشترينا سيجارة سيجارة على الماشي، ولَّع لي مصطفى سيجارتي .قائلاً: دخِّن عليها تنجلي، فسحبت نفَساً وقلتُ له: إيييه، الدنيا بلا شراب خراب

التعليقات

المقال التالي