من الناصرة إلى حمص

من الناصرة إلى حمص

من قرّر أن أولدَ في هذه المدينة؟ ومَن وضع لي حدوداً مِن قبل أن أولد؟ من قرر بدلاً مني أن أكون ابناً لهذه الطائفة؟ ومن قسَّم طائفتي لأجزاء صغيرة، ثم وضعني في أصغر جزء منها؟ من رسم لي حدوداً بواسطة مسطرة! هل من منطق في كلّ هذا؟ وهل من المفروض أن أوافق؟ أن أستسلم وكفى؟

من الصعب وصف حزني حين عدت إلى منزلي بعد ثلاثة أعوام من الغياب، لأراه مدمّراً لا يصلح حتى للترميم. أحمل حطامي، أنا وعائلتي لنرمي أنفسنا جميعاً في غرفة يخجل الفقير من العيش بها، داخل منطقة من المحتمل ألا أُقتل فيها حين أخرج كي أحصل على كيس أرز يوزّعه أحدهم علينا كي نبقى على قيد الحياة، ليس محبةً بنا، بل كي لا يزيد العدد المزيّف من ضحايا المأساة على الشاشات!

وجهٌ احتلته ملامح الغربة داخل الوطن، تجاعيدُ اعتادت على رؤية الهدم، آذانٌ تشنّجت جراء دويّ الانفجارات، تحتاج إلى ما يرطّبها من دموع اليأس التي رسمت خريطة على وجهي، خريطة مللتُ من كثرة مسحها خلال السنوات الأخيرة. أحاول الاتصال من خلال الشبكة الالكترونية، وبعد محاولات عدة نجحت.

عازفُ عودٍ من الناصرة يحمل اسم عائلتي، "قندلفت"؟ ابن عائلة رُسِمت بيننا حدودٌ أصبح عمرها ثلاثة أجيال، فصلوا بيننا وحرمونا من سلام اليد، حتى من ابتسامة نرسلها من وراء أسلاك شائكة، وأبعدونا وفرقونا. ابن عائلتي يعزف، ويطلق على عزفه اسم "متعة سوداء". ضغطتُ على زرّ الاصغاء، تسمّرتُ في مكاني. لا أستطيع فهم سبب شعوري، وأنا أصغي إلى هذه النغمات، تدخل إلى عروقي، وتشعرني بالاتصال في الدم بيني وبين هذا العازف الذي يحمل اسمي "قندلفت". أصغي وأصغي، فيما دويّ انفجاراتٍ من بعيد تستولي على متعتي، تعتمها وتجعلها سوداء مظلمة.

انطقلتُ فوراً إلى صفحة البريد الالكتروني، وكتبت عليها رسالة "في البداية أودّ أن أشكرك أخي جورج على هذه الأسطوانة الرائعة، هذه الاسطوانة التي قدمت لي الكثير، وخفّفت عني وطأة الحزن والقهر، وزرعت في داخلي الأمل في زمن فُقد فيه الأمل، وساعدتني في محنتي كشاب سوري مازال يعيش في سوريا في ظلّ هذه الأحداث العصيبة. لم أتوقع يوماً أنني سأعيش هكذا مأساة بخسارة منزلي ومدينتي ومستقبلي الذي كنت أبنيه بكل جد وتعب.

 

إنها الحرب بكل ما حملته من دمار وأسى وحزن، خسرت منزلي وانتقلت للعيش في غرفة صغيرة مع عائلتي في منطقة آمنة نوعاً ما، للابتعاد عن أصوات الحرب الصاخبة والاستكانة في أوقات صمت الحرب إلى موسيقاك، صديقي جورج، والحصول على القليل من الهدوء والسكينة، وبعد حوالي ثلاثة سنوات عدتُ إلى منزلي لأراه مدمّراً كئيباً ماحياً بدماره كل الذكريات الرائعة التي عشتها فيه. أكتب إليك صديقي وأنا أصغي واستمتع الآن بمعزوفة "سهر" التي لطالما أزاحت عن عيوني دموع القهر والحزن والشعور باليأس. أشكرك على موسيقاك أشكرك على الانسانية بموسيقاك التي لطالما كنا ومازلنا، وسنظل بحاجتها في كل الأوقات. فاسطوانتك الرائعة هي متعة لي حقاً في هذا السواد الذي أعيشه".

***

أنا، جورج قندلفت، أستيقظ في الصباح، أحتسي القهوة وأجلس أمام حاسوبي في غرفتي في برلين الألمانية ﻷنشر تسجيل مقابلة مع راديو ألماني حملت بها رسالة فلسطينيي الداخل، كي أحاول أن أجعلها تصل الى أكبر عدد ممكن من الناس. تحدثت بهذه المقابلة عن العلاج عن طريق الموسيقى في المجتمع العربي، عن النكبة، عن كيف يدخل العود في وسط كل هذه الفوضى السياسية الاجتماعية، وعن وجودي في برلين، المدينة التي حطموا جدارها وفتحوا حدودها قبل خمس وعشرين سنة فقط. أنشر المقابلة على الشبكة الالكترونية، وإذ برنة البريد الالكتروني تصدر من هاتفي النقال، أنظر إلى شاشته، "كنان قندلفت"!

ابتدأت بقراءة كلمات الرسالة، وإذ بدموعي تنزل على خدي دون سيطرة مني. أمسحها كي أستطيع رؤية الشاشة ﻷكمل القراءة، لماذا أبكي؟ هل حزناً على ابن عمي الذي لم يحدثني عنه أحد، أم ﻷنه من المستحيل زيارته الآن؟ وهو بأسوأ حالة من الممكن أن يعيشها أي إنسان. هل أبكي فرحاً لأن موسيقىً ألفتها تحدّت كل الحدود واخترقتها ووصلت إلى حمص، في أخطر وأصعب فترة تمر حمص بها؟ هل أبكي ﻷن أحد أحلامي أن يُهدّ الجدار وتُفتح الحدود. في الواقع أنا مكبّل، لا أستطيع أن أجد طريقة للتفكير فقط في حل هذه المشكلة التي تربيت وكبرت معها!

 

خرجت من بيتي بهدف مراجعة موسيقية مع مغنية تركية، لا أستطيع وقف التفكير بنص رسالة "كنان"، دموعي تشوش لي رؤية طريقي، استخدم حطّتي لمسحها وإخفائها، وأُفكر كم كان سهلاً أن أسافر إلى واشنطن. بريد إلكتروني قصير سألني إن كان لدي الوقت لأعزف في الولايات المتحدة، وافقت عليه، وفي الرسالة التي تلتها كانت تذكرة سفر إلى فيلاديلفيا مرفقة بها تذكرة إلى تورونتو، ومن ثم إلى سويسرا وبعدها برلين. حين انطقلت من سويسرا إلى برلين لم يكن هنالك أي أحد في مطار برلين ليتفحصني أو يلقي نظرة على من أكون أنا. خرجت من الطائرة، أخذت حقيبتي دون أن يسألني أحدهم من أنت! أما الحدود التي تبعد عن بيتي في الناصرة مئة كيلومتر، لا أستطيع تجاوزها، حتى دخولها من دولة ثانية غير ممكن لأن غلاف هويتي الخارجي لونه أزرق وهذا حسب القانون الأمني ممنوع، فهل من أحد يفكر في القانون الانساني؟

ابتدأت المراجعة، وأنا أنظر إلى الحائط، تسألني المغنية كي ابتدئ العزف وأنا لا أستطيع الإجابة. كأنني فقدت القدرة على العزف والكلام بأي لغة كانت، وضعت العود جانباً أمسكت هاتفي النقال وكتبت.

"عزيزي كنان،

امسحْ دموعَكَ بمعزوفتي (سهر) وانتظرني.

أنا قادم لأبني معك بيتك من جديد".


للإستماع إلى ألبوم جورج قندلفت إضغط هنا

التعليقات

المقال التالي