القانون الذي سيزوج إبنة الثمانية أعوام!

القانون الذي سيزوج إبنة الثمانية أعوام!

لم تحتفل نساء العراق كبقيّة النساء حول العالم في يوم المرأة العالمي. أبرز الصور الآتية من هناك كانت بلا ريب صور المتظاهرات المتشحات بالسواد! أردن أن يعبّرن عن حدادهن على وضع المرأة العراقية المهدّد بسبب طرح "مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري" على مجلس النواب.

القانون في البرلمان!

كانت مفاجأة أن يحيل مجلس الوزراء العراقي "مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري" على البرلمان للمصادقة عليه. كان قد ظهر أن سياسيي العراق أجّلوا هذه المسألة إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية المقرّر إجراؤها في 30 أبريل القادم. ففي 23 أكتوبر الماضي، أعلن وزير العدل حسن الشمري عن إنجاز مسودتي مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري ومشروع قانون القضاء الشرعي الجعفري العراقي، وهما قانونان يدّعي الوزير توافقهما مع فقه الشيعة الإمامية الإثني عشرية. وفي 3 ديسمبر 2013، قرر مجلس الوزراء تأجيل البت في المشروعين إلى ما بعد الانتخابات. هدأت الساحة العراقية إلى أن، وفجأة، في 25 فبراير، عاد مجلس الوزراء ووافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية وأحاله إلى البرلمان.

بعد قرار المجلس الأول، امتعض الشمري من التأجيل واعتبر أن "التعصب الطائفي والحسابات الانتخابية كانت وراء ذلك". الآن يبدو الوزير سعيداً بنجاحه. هو يقول أنه ما كان ليبادر "لو لم يأخذ رأي المرجعية". لم يحدّد عن أيّة مرجعية يتحدث. فامتعاض مراجع النجف الكبرى من خطوته يبدو واضحاً. الوزير ينتمي إلى حزب الفضيلة الإسلامي، الحليف الصغير لحزب الدعوة الإسلامية الذي يتزعمه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. حزب الشمّري هو حزب معارض لدور النجف ويعتبر أن الشيخ محمد اليعقوبي هو مرجعه في الشؤون الفقهية. لتفسير سبب تغيّر رأي مجلس الوزراء، يمكن عكس قول الشمّري عليه: "التعصب الطائفي والحسابات الانتخابية كانت وراء ذلك".

لماذا القانون؟

"الأحوال الشخصية" التي يسعى الشمري إلى إعادة تنظيمها هي مجموعة الأحكام المتعلقة بالزواج والطلاق والنسب والحضانة والنفقة والوصية والميراث. حين نشأت الدولة العراقية، عام 1921، كانت المحاكم الشرعية تعتمد المذهب الشخصي للمتداعيين. استمر الوضع على هذا الحال حتى العام 1959 حين صدر أول قانون للأحوال الشخصية في العراق هو القانون رقم 188. عُدّل القانون مرّات عدّة ولا يزال سارياً حتى الآن. يُطبّق هذا القانون على كل المسلمين العراقيين، أما المسيحيون واليهود فهم يخضعون لما تقرره لوائحهم الخاصة وتنظر في ذلك محكمة المواد الشخصية التي تُعنى بغير المسلمين. يعترض البعض على هذا القانون ويعتبرون أنه من الأفضل لو يحتكم أبناء كل مذهب إلى فقه مذهبهم. عام 2003، أصدر مجلس الحكم الانتقالي القرار 137 الذي يقضي بإلغاء قانون الأحوال الشخصية ويعيد العمل بالقضاء المذهبي. حينها ثار جدل واسع أفضى إلى إلغاء القرار بعد فترة وجيزة من صدوره.

يعارض بعض الشيعة العراقيين القانون الساري على اعتبار أنه يختلف في بعض جزئياته مع الفقه الجعفري. منذ عقود، يقوم بعضهم بإنجاز معاملات الزواج خارج محاكم الدولة ويلجأون حين تصادفهم المشاكل إلى رجال الدين لا إلى القضاء المختص. مؤيدو القانون يعتبرون أن طرحه يتوافق مع الدستور العراقي الذي ينص في المادة 41 منه على أن "العراقيين أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وينظم ذلك بقانون".

ماذا في مشروع القانون؟

ينص مشروع القانون المطروح على أن الفقه الجعفري هو الحاكم للعراقيين الشيعة في الأحوال الشخصية بعكس القانون الحالي الذي ينطبق على جميع المسلمين العراقيين ويختار أحكامه من جميع الآراء الفقهية للمذاهب الإسلامية. فما هي أبرز الأحكام الواردة في المشروع؟

يعرّف مشروع القانون سن البلوغ، أي سنّ الزواج، بأنه "إكمال 9 سنوات هلالية، حسب التقويم الهجري بالنسبة للإناث، وإكمال 15 سنة هلالية عند الذكور، أو تحقُّق إحدى العلامات البدنية المعتمدة لدى فقهاء المسلمين في إثبات البلوغ عند الذكور". بينما يعتبر القانون الحالي أن سن الزواج هو الثامنة عشرة وللقاضي أن يأذن بزواج من بلغ الخامسة عشرة من العمر إذا وجد ضرورة قصوى تدعو الى ذلك.

لا يجيز مشروع القانون زواج المسلم من غير المسلمة زواجاً دائماً، بينما يسمح القانون الحالي له بالزواج بكتابية. يعطي المشروع للرجل الحق في تعدد الزوجات على عكس القانون الحالي الذي يقيّد هذا الحق ويجعله خاضعاً لإذن القاضي وبشرط أن تكون للزوج كفاية مالية لإعالة أكثر من زوجة واحدة وأن تكون هناك مصلحة مشروعة.

يحرم مشروع القانون الأحفاد من ميراث جدهم أو جدتهم في حالة وفاة والدهم قبل جدّهم ويحرم الأولاد بالتبنّي من الميراث. كذلك ينص على أنه "لا ترث الزوجة مما يتركه الزوج المتوفى من الأراضي لا عيناً ولا قيمة، وترث من المنقولات، ومما ثبت في الأرض من الأبنية والأشجار والآلات وغيرها. وللوارث أن يدفع لها قيمة الأشياء الثابتة في الأرض، وهي ملزمة بقبول القيمة" بينما يقرّ القانون الحالي بحق الزوجة بربع الميراث دون تخصيص. في حالة الطلاق لا يسمح مشروع القانون للمطلقة بالبقاء في منزل الزوج إلى حين تدبّرها أمورها بينما يسمح لها القانون النافذ بالبقاء ثلاث سنوات بعد الطلاق.

أنصار القانون

يعتبر الشمري أن القانون هو "ترسيخ لأسس الديمقراطيه في عراق ما بعد الدكتاتوريه". في يوم المرأة العالمي، وقف الوزير وقال أن مشروعه يمنح "امتيازات غير مسبوقة للمرأة"، فهو يسمح للمرأة بوراثة أبيها إن كانت ابنته الوحيدة على عكس القانون الحالي الذي يعطيها نصف الميراث، كما أنه يمنحها حق تضمين عقد الزواج "ما تراه من شروط ملزمة للزوج". لا يكتفي الوزير بذلك بل يضيف مبررات من واقع المجتمع العراقي. يؤكد أن القانون "يتعلق بالشأن الشخصي للمواطنين كل بحسب رغبته ولا يتضمن أي إكراه أو إلزام في مضامينه للذين لا يؤمنون به، وإنه خيار إضافي لشريحة واسعة من الشعب العراقي تشعر بالحرج الديني والمذهبي من جراء اللجوء إلى القانون الوضعي غير الشرعي لتعارضه مع عقيدتهم ومذهبهم".

مبرّرات الوزير تتكرر على لسان مؤيدي القانون. رئيس كتلة الفضيلة النيابية عمار طعمة يلفت إلى أن "احترام الخصوصية الشخصية للفرد العراقي وتجنب إلغائها أو إكراهه على طمسها والتخلي عنها يعتبر المعلم الأبرز للدولة المدنية الحديثة". النائب عن كتلة الفضيلة حسين المرعبي يعتبر أن المعترضين على القانون "يحتكرون حق الشيعة في تنظيم أحوالهم الشخصية أسوة بالمسيحيين الذين يحتكمون إلى محاكم خاصة في قضاياهم الشخصية".

من ناحيتها، تذكّر النائبة عن التحالف الوطني سوزان السعد بأن قانون الأحوال الشخصية الحالي كان قد "أثار حفيظة العلماء في النجف، لا سيّما المرجع الديني محسن الحكيم" لتعارضه مع أحكام الفقه الجعفري. أما الأب الروحي للمشروع، المرجع الديني محمد اليعقوبي فهو يعتبر أن المعارضين للقانون هم "أفراد قلائل من الذين لديهم مشكلة مع الدين والتدين" ويديرون ظهرهم "لمطلب الملايين من اتباع المذهب الجعفري".

معارضة واسعة للمشروع

"القانون يثير زوبعة ضمن دعاية انتخابية"، قال عبد الهادي الحكيم، النائب عراقي المقرب من المرجعية في النجف. رأي الحكيم كرره عدد كبير من الشخصيات السياسية والاجتماعية. حظوظ المشروع بالإقرار تكاد تكون معدومة ولكن يهدف طارحوه إلى تحقيق مكاسب من ورائه. يحاولون الظهور بمظهر الحريص على حقوق الشيعة العراقيين فيستقطبون بعض الشرائح المحافظة ويخوضون حرباً غير علنية مع المرجعيات الشيعية الكبرى التي تثير حفيظة كل من حزبي الفضيلة والدعوة.

ادعاء مقدّمي المشروع أنهم أخذوا رأي المرجعيات أثار امتعاض "كبار النجف" الذين لم يبدوا رأيهم فيه. المرجع الكبير بشير النجفي اعتبره تعدياً على المرجعية وطالب طارحيه "بالاعتذار بالطرق اللائقة". النجفي أضاف نقداً قاسياً للمشروع معتبراً أنه "فاقداً للمقومات" وينطوي على "شطحات في الصياغات الفقهية والقانونية ولا يوافق عليها فقيه".

من جانب آخر، لفت آية الله حسين السيد اسماعيل الصدر إلى أن قسماً من المشروع "غير موافق للمذهب الجعفري رغم اتخاذه النسبة لهذا المذهب اسماً له" مؤكداً "أن هناك اختلافاً في الفتاوي بخصوص بعض الأمور المذكورة فيه ولا يصح فرض رؤية فقهية محددة على من يتبع غيرها".

الأمم المتحدة اعتبرت أن للمشروع تأثيرات سلبية على العراق. الممثل الخاص للأمين العام نيكولاي ملادينوف Nikolaï Mladenov أبدى قلق المنظمة الدولية منه لأنه "يهدد وحدة التشريعات الوطنية ويمكن أن يسهم في تفتيت الوحدة الوطنية". هذا كان رأي بعض العراقيين أيضاً. عضو الكتلة العراقية أزهار الشيخلي اعتبرت أنه "يجر البلاد إلى حرب طائفية". النائبة عن ائتلاف دولة القانون سميرة الموسوي وصفته بأنه "أداة فاعلة لتمزيق الوحدة الاجتماعية بين مكونات الشعب وبالتالي تفكيك المكون الواحد، لأنه سيمنح مسوغاً للأطراف المتطرفة لزيادة التطرف، وبأن يطالبوا بسن قوانين مماثلة لهم"...

الاعتراض السنّي لم يتأخر. هيئة علماء المسلمين في العراق أوضحت أن المصادقة على قانون الأحوال الجعفري من قبل مجلس الوزراء الحالي، ستؤدي إلى إحداث مزيد من الانقسام في المجتمع العراقي، كما ستترتب عليه مصادرة الهوية العراقية الجامعة، ووضع أساس لإلغائها، واستبدالها بهويات فرعية. الهيئة طالبت "باستحداث قوانين تتقاطع مع معايير الدولة الحديثة".

مشروع القانون أثار امتعاض المناصرين لحقوق المرأة. جو ستورك Joe Stork، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش Human Rights Watch لفت إلى أن من شأن تبني المشروع "أن يمثل خطوة كارثية وتمييزية فيما يتعلق بسيدات العراق وفتياته" وكانت منظمته قد سبق أن اعتبرت أنه "يغذّي الطائفية".

في هذا المناخ قررت شبكة النساء العراقيات وغيرها من المنظمات تنظيم وقفات احتجاجية، بمناسبة يوم المرأة العالمي، تحت شعار "في عيد المرأة العالمي نساء العراق في حداد". المشاركات المتشحات بالسواد رفضن "مشروع القانون الطائفي المهين لكرامة المرأة وحقوقها" واعتبرن أن فيه عودة إلى "عصر الجواري والعبيد" وأنه "يحوّل المرأة العراقية إلى مخلوق مهمته الامتاع والغريزة وهي بعمر 9 سنوات".

الأسوأ في القانون

كثيرون انتقدوا مشروع القانون مركّزين على بعض جوانبه ولكن فيه ما هو أسوأ. يحرم المشروع المطلقة من النفقة إذا كانت صغيرة غير قابلة لاستمتاع زوجها بها، وإذا كانت كبيرة لا تمتّع زوجها. يحرم الزوجة من طلب التفريق حتى لو كان زوجها مريضاً غير قادر على القيام بأمور المعيشة اليومية أو لو هجرها في فراشها. يمنح الزوج الحق بالاستمتاع بزوجته في أي وقت يشاء ويمنعها من الخروج من البيت بدون إذنه. يُلغي ما ينص عليه القانون الحالي الذي يلغي كل زواج تم بالإكراه.

هناك المزيد أيضاً! القانون يعتبر أن سنّ البلوغ للفتاة هو 9 سنوات هلالية (أقل من 9 سنوات شمسية) ولكنه لا يمنع تزويج من هم في سنّ أقل من هذا. أكثر من ذلك. هو لا يجرّم الدخول بهنّ! كيف؟ نقرأ ذلك في إشارات تتكرر في القانون. في المادة 154، يستثني من الاعتداد قبل الزواج مرّة أخرى "التي لم تكمل التاسعة من عمرها وإن دخل بها الزوج". في المادة 147 التي تتحدث عن الطلاق البائن يذكر "طلاق الصغيرة التي لم تبلغ 9 سنوات من عمرها وأن دخل بها عمداً".

يُنشئ المشروع مجلساً جديداً للمحاكم هو "المجلس الأعلى للقضاء الجعفري". ويعتبر أن المحامي يجب أن يكون عارفاً بالأحكام الفقهية الجعفرية ومجازاً بممارسة أعمال المحاماة من المجلس المذكور. إذن لا حاجة بعد الآن للحصول على شهادة جامعية في القانون. والأخطر نص القانون، في المادة 246 منه، على أنه "تسري أحكام هذا القانون على العراقيين بناء على طلب المدعي أو وكيله". هذا يعني أنه يمكن أن يطبّق أيضاً على غير الشيعة!

غريب أمر مقدّمي المشروع. يبدو أنهم فضائيون. يروّجون لزواج القاصر ولا ينتبهون إلى أن أكثر من 180 حالة طلاق تسجل يومياً في العراق بسبب زواج القاصرات. في السابق كان البعض يطالب بإلغاء إمكانية تزويج الفتاة وهي بعمر الـ15. الآن هناك مَن يريد تزويج إبنة الثمانية أعوام!

التعليقات

المقال التالي