إعادة النشر: إيتيكيت اللطش وفن الهبش

إعادة النشر: إيتيكيت اللطش وفن الهبش

حين تنظر أسفل موقع قناة شهيرة، ذات جمهور عريض في العالم العربي مثل قناة العربية، تجد عبارة "© جميع الحقوق محفوظة لقناة العربية 2014". لكن حين ترى الأفعال لا تملك إلا أن تهز رأسك عجباً. فهذه القناة التي لا تنقصها الموارد المالية ولا السمعة الإعلامية، نقلت وبدون ترخيص مادة نشرها موقعنا الشاب "رصيف 22".

في التاسع عشر من فبراير الحالي، نشر رصيف22 تقريراً مصوراً عن خيمة تعليمية لتدريس أبناء اللاجئين السوريين في مخيم في الأردن أنشأها طالب جامعي سوري. بعدها بأربعة أيام، نشرت قناة العربية تحقيقاً مماثلاً، مستخدمة المواد نفسها من دون ذكر المصدر. عند مقارنة المقالين، نجد أن العربية استعملت الفيديو الخاص برصيف22 والصور المرافقة للموضوع بعد إزالة لوغو الموقع واستبداله بلوغو العربية، وذلك بدون ترخيص ممن اجتهدوا وصنعوه.

هكذا، وببضع نقرات على الكومبيوتر تحول الجهد الذي بذله رصيف22 إلى مادة إعلامية لم تتردد العربية في وضع علامتها الخاصة عليها. وبهذا تصبح جميع الحقوق محفوظة للعربية فقط، أما حقوق الآخرين فلا قيمة لها عند هذه القناة الشهيرة التي تحظى بثقة المشاهدين.

بلغت تقنيات الاتصال والمعلوماتية حدّاً جعل نقل مقالة كاملة، بما فيها من صور وفيديوات، لا يحتاج لأكثر من بضع نقرات على اللابتوب. سهلة وسريعة هذه العملية، وبنفس السهولة انتشرت ظاهرة النقل غير المرخص لجهود بعض وسائل الإعلام من قبل وسائل أخرى. ليس النقل بدون إذن مسبق دليلاً على ضعف الالتزام بأخلاقيات المهنة، وتجاوز صعوبات العمل عن طريق اقتناص عمل قام به الغير ونسبته للنفس فحسب، ولكنه أيضاً استهانة بالقارئ العربي.

حين تنقل صحيفة أو قناة إعلامية مقالة من جهة أخرى، دون الإشارة إليها، فإنها تستغل ثقة القارئ الذي يظن أن ما تنشره هذه الصحيفة أو تلك القناة جهد خالص لها. وهكذا يضيع على من اجتهد وعمل وصرف مالاً على صناعة هذا المقال أو ذاك أي مردود حتى لو كان معنوياً.

هل ينقص قناة العربية الموارد أو الخبرات الصحفية لإرسال صحفي ومصور يقومان بتغطية موسعة عن الموضوع الذي جذبها عوضاً عن اختطافه كاملاً؟ الجواب بالتأكيد هو لا، ولكنها الاستهانة بحقوق الآخرين، ورخص الوسيلة. أضف إلى هذا غياباً واضحاً لأية معايير صارمة ورادعة تحفظ حقوق الصحافيين ووسائل الإعلام.

اللافت للنظر، هو أن العربية نفسها كانت قد نشرت مقالاً عن توقيف صحافي أمريكي عن العمل بسبب النقل غير المرخص. أفاضت القناة في خبرها في شرح ما قامت به شبكة سي إن إن CNN ومجلة تايم TIME الأمريكيتين لأن الصحفي فريد زكريا اقتبس أجزاء من مقال آخر، دون الإشارة للمصدر. لكن من الواضح أن القائمين على القناة لا يؤمنون بنفس المبادئ التي دعت كلاً من السي إن إن والتايم لاتخاذ هذه الإجراءات الصارمة.

بالمثل، قامت جريدة البلد اللبنانية بنقل مقال رصيف22 عن الملحدين العرب والفيسبوك كما هو. لم تكلف الجريدة نفسها حتى عناء القيام ببعض التغييرات، بل أعادت نشره كمن يقوم بنسخ ولصق على صفحة في كومبيوتره الخاص وقدمتها لقرائها دون أية إشارة للمصدر. مثل نظيراتها، تقول جريدة البلد إن جميع الحقوق محفوظة، في حين يبدو أن حقوق الآخرين أمر قابل للنقاش.

هناك أمثلة عديدة على انتشار عمليات السطو الإعلامي، وليس من وسيلة إعلامية اليوم لا تملك في جعبتها قصصاً متعدّدة عن عمليات سطو فكرية تعرضت لها، غالباً ما تبقى من دون متابعة، لغياب الملاحقة القانونية الفاعلة القادرة على حماية الملكية الفكرية. فمثلاً، نشرت جريدة الثورة اليمنية مقالاً نقله كاتب يمني من مقال آخر كتبه أكاديمي سعودي دون أية إشارة لمصدره.

في المقابل، قدمت "حبر" الأردنية (التي حجبت اليوم من قبل دائرة المطبوعات) نموذجاً للوسيلة الإعلامية التي تحترم قراءها وتلتزم بمعايير المهنة. فهي أقدمت على إشعارنا برغبتها باعادة نشر مقال لرصيف 22، وأشارت بمنتهى المهنية لمصدره. وهذا لا يؤشر لمهنية عالية فقط، ولكنه أيضا مؤشر على الثقة بالنفس.

الوسيلة الإعلامية التي تشير لمصادر المعلومات التي تتضمنها مقالاتها تعرف جيداً أنه ليس في هذا انتقاصاً من قدراتها في أعين القراء. بل على العكس، فمن يثق بعمله يعرف تماماً مقدرته على جذب القارئ دوماً إلى موقعه. ويعرف أنه ليس في حاجة للتزوير أو الادعاء لكسب القراء.

نفس هذه الروحية والالتزام المهنيين نراهما في جرائد مثل كوريي انترناسيونال Courrier International التي أعادت نشر مقال رصيف22 عن العرب ونظرية المؤامرة بإذن مسبق، وكذلك موقع فكرة الذي نشر مقال "أربع صور تعكس واقع الاستفتاء المصري" مترجماً.

من ذكريات عملي في النيويورك تايمز The New York Times في بغداد، أننا كنا في منافسة شبه يومية مع الواشنطن بوست The Washington Post. في أحد الأيام، طُلب منا في غرفة الأخبار أن نعمل على قصة كانت قد نشرت في صبيحة ذاك اليوم على صفحات الواشنطن بوست. "سنبدو وكأننا نقتفي خطواتهم، ثم ما الفائدة من تكرار ما قاموا به؟" سألت مدير المكتب وهو كبير المحررين الدوليين في النيويورك تايمز. جاءني رده: "قد يكون لهم السبق في طرح الفكرة، ولكن عامل الزمن قد ينال أحياناً من عمق التغطية. يأتي هنا دورنا في طرح وجهة نظرنا من خلال زوايا أخرى وبتغطية تحمل بصمتنا نحن". يومها تعلمت أنه لا ضير أن أُعجب بعمل غيري وأن أستعمل فكرته، شرط أن أقوم بذلك بمواردي الذاتية. وشتان ما بين هذا والنقل المباشر الذي ينال من ثقة القراء.

لقد تطلب الأمر من جريدة النيويورك تايمز فترة ليست بالقصيرة لتشفى جراحها من فضيحة جيسون بلير Jayson Blair الذي زور ونقل معلومات في مقالاته بدون علم رؤسائه. كان ينقل من صحف محلية في قصص يكتبها هو عن مدن لم يزرها قط. طرُد من عمله، وأصيح اسمه مرادفاً لأسوأ مثل يمكن أن تضربه في مهنة الصحافة. ولكن يبدو أن هناك العديد من أمثال جيسون بلير يمرحون بيننا على صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية.

لا عمل بدون ضمير يراقبه، ولوائح تنظمه، وعقوبات تردع المسيئين إليه. وفي عالم الصحافة اليوم، هناك الكثير ممن يسيئون لأنفسهم وقرائهم ومهنتهم. إن قيادة الرأي العام عن طريق توعيته ونقل الحقائق إليه مسؤولية كبيرة ودور اجتماعي لا يستهان به. وقناة مثل العربية التي تحتل موقعاً متقدماً في عدد المشاهدين والمتابعين يجب أن تكون نموذجاً لبقية وسائل الإعلام، وألا تقع في أخطاء الهواة.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
الـ22 الإعلام

التعليقات

المقال التالي