حرب على ذاكرة الثورات العربية

حرب على ذاكرة الثورات العربية

على هامش الانقسامات السياسية التي تشهدها دول الربيع العربي، يدور صراع من نوع آخر... صراع على ذاكرة الثورات. ميدان هذا الصراع هو الفضاء العام ورموزه. أما موضوعه فهو السعي إلى وأد كل ما يشير إلى أن هذه الشعوب استعادت حريتها!

"سجن التحرير"

على بداية شارع قصر العيني، أحد الشوارع الرئيسية في وسط القاهرة وأحد المنافذ إلى ميدان التحرير، نصبت السلطات المصرية، مؤخراً، بوابة حديدية ضخمة ثم قامت بطلائها بألوان العلم المصري. البوابة ليست بوابة عادية. هي أشبه بدفاعات كتلك التي يمكن مشاهدتها أمام الثكنات العسكرية. بعرضها البالغ 25 متراً وبطولها المرتفع 4 أمتار وباحتوائها على مجموعة بوابات صغيرة (إثنتين لمرور السيارات عرض كل واحدة منهما 6 أمتار وأخريين ضيقتين مخصصتين لمرور المشاة) غيّرت هذه البوابة مشهد ميدان التحرير، حاضن ثورة 25 يناير.

الجدار الإسمنتي الذي كان يُغلق هذا المدخل ويشير إلى حالة الاستثناء هُدم. البوابة تشير إلى تخطي حالة الاستثناء إلى الديمومة. "هذا الجدار الحديدي سيتحول بمرور الأيام إلى رمز للعبودية، وتحطيمه سيكون رمزاً للحرية"، علّق أحد المصريين. "البوابة تحوّل الميدان إلى سجن اختياري لمن يريد التظاهر"، قال آخر. الناشطون المصريون، وعلى جاري عادتهم، أظهروا حسّهم الفكاهي فراح بعضهم يدعو إلى حفر الأنفاق لتهريب الثوار إلى ميدان التحرير.

أن يُحال ما بين المصريين وبين المكان الذي يرمز إلى تحرّرهم من الخضوع للطغيان ليس مسألة بسيطة. الآن، صار التوجّه إلى ميدان التحرير يخضع للرقابة ولم يعد فعلاً متصلاّ بالحرية. هي محاولة لإعادة تدجين الثوار. الرقابة المفروضة تكتسي بألوان العلم المصري في محاولة للربط بين القمع الأمني وبين الوطنية المصرية.

ليست البوابة المدخل الوحيد إلى ميدان التحرير ولكنها ترمز إلى ما صار يعنيه التجمّع في هذا المكان. يد الرقيب تتحكم بكل التفاصيل. هذه هي رسالة السلطات المصرية. على كل حال، لن تبقى المسألة محض رمزية. تخطط السلطات المصرية لبناء بوابتين إضافيتين عند مدخل عبد المنعم رياض وعند مدخل طلعت حرب.

قبلها كانت الحرب على الغرافيتي

سعي السلطات المصرية، بعد الثورة، إلى السيطرة على الفضاء العام ليس جديداً. في فترة حكم المجلس العسكري، قام عمال نظافة القاهرة بإزالة "غرافيتي الشهداء" المرسوم على أحد جدران الجامعة الأميركية. تبريرات أحد العمال للشباب الذين اقتربوا منهم معترضين على هذا العمل تفسّر كل شيء. قال لهم إن المحافظ أمرهم بذلك وأضاف: "عشان الرئيس الجديد لما ييجي يلاقي البلد نظيفة"! نظيفة من ماذا؟ من مظاهر الاعتراض! حينها كان الزخم الثوري في أوجه ما سمح لشباب الميدان بإعادة رسمه.

بعد أقل من أربعة أشهر على هذه الحادثة، شنّ رجال الأمن المركزي حملة على جدران شارع محمد محمود وأزالوا كافة رسومات الغرافيتي التي تجسّد ثورة 25 يناير وتروي قصص الثوار. هذه المرّة لم يتم إيكال المهمّة إلى عمال النظافة منفردين. قام رجال الأمن بحراستهم بواسطة عشرات الأمنيين الذين يستقلون العربات المصفحة. الأمن يكره مظاهر الحرية ويعلم أن استمرارها يعني أن سلطته القمعية تخضع للمساءلة ويمكن الاعتراض عليها. مرّة جديدة أعاد الثوار رسم ما طمسه الأمن المركزي.

تغيّرت الأمور في مصر. الآن، البوابة تُغني عن كل الحملات السابقة. معها ربما يسمح الأمن بتضمّن الفضاء العام لميدان التحرير ومحيطه بعض مظاهر الحرية طالما أنها من نوع الحرية المضبوطة وطالما أن الوصول إليها يتطلب الدخول من البوابة الضيّقة التي تُفتح وتُغلق بإشراف رجل الأمن.

لؤلؤة البحرين

أول ما قام به النظام البحريني بعد فضّ اعتصام المتظاهرين في دوار اللؤلؤة كان هدم النصب المشيّد في وسط الدوّار منذ العام 1982 والذي يتألف من ستة أعمدة ترمز إلى دول مجلس التعاون الخليجي تعلوها لؤلؤة. من 14 فبراير حتى 17 مارس من العام 2011، 32 يوماً قضاها ثوار البحرين في ساحة الدوار. يومياً كان يلتقي ما بين 20 إلى 50 ألف معتصم في هذا المكان الموصول بالعاصمة عبر خمسة مداخل. بعد "الأربعاء الدامي"، يوم فُضّ الاعتصام، بيومين فقط استقدمت السلطات الجرافات وقامت بهدم النصب. أرادت السلطة تغيير معالم المكان الذي احتضن أشخاصاً تجرأوا على الوقوف في وجهها وكأنها بفعلتها تفكّ "نحس" هذا المكان "المشؤوم". منذ ذلك الحين لم يستطع ثوار البحرين الوصول إلى ذلك المكان بسبب الإجراءات الأمنية المشدّدة.

كان غريباً قرار السلطات القاضي بهدم نصب يرمز إلى دول مجلس التعاون الخليجي، أي إلى الدول التي حالت بتدخلها عسكرياً في البحرين دون سقوط النظام. فالنصب تم تشييده بمناسبة استقبال المنامة، عام 1982، لقمة دول المجلس. ولكن هذا الرمز اكتسب معاني جديدة بعد 14 فبراير. صار يرمز لمنطق الاعتراض على السلطة وهو منطق ترفضه السلطات الخليجية. بضربات البلدوزر أسقط النصب الذي تناقلت صوره كل وسائل الإعلام العالمية وجعلت منه أيقونة الثورة البحرينية.

الصراع على الرموز

الصراع على الرموز المنتشرة في الفضاء العام له أشكال كثيرة. هو ليس فقط نهجاً سلطوياً يهدف إلى إخفاء كل الدلائل التي تشير إلى إرادة التحدّي، أو ببساطة إلى الوجود إلى جانب السلطة. أحياناً ينشأ هذا الصراع بين القوى السياسية المختلفة وذلك حين تمتعض إحداها من حضور منافستها بشكل يمنحها شرعية مضافة.

هذه الحالة شهدتها تونس قبل أيام قليلة حين اعتدى أشخاص على نصب تذكاري للشهيد شكري بلعيد كان قد تمّ بناؤه في نابل في السادس من فبراير الماضي، بمناسبة الذكرى الأولى لاغتياله. عبد المجيد بلعيد، أخ الشهيد، حمّل حركة النهضة مسؤولية هذا العمل. بطبيعة الحال ليس للحركة كتنظيم أيّة علاقة بذلك ولكن أيضاً لا شك في أن من قام بهذا الفعل هو من مؤيدي الحركة أو من مؤيدي الجماعات السلفية التونسية. رفض حضور بلعيد في الفضاء العام لا يصدر إلا عن أشخاص يرفضون حضور ما يمثله من أفكار في تونس.

مات الديكتاتور... عاش الديكتاتور؟

أول ما يقوم به المعارضون في دولة ديكتاتورية تتهاوى هو تحطيم تماثيل الرؤساء ورموز السلطة. الصور الشهيرة للمواطنين العراقيين وهم يضربون تمثال صدّام حسين بحذائهم، في ساحة الفردوس، تُفسّر كل شيء. أحدهم قال: "شعرت بالولادة من جديد وأنا أسحب تمثال صدام حسين إلى الأرض وأشبعه ضرباً بالحذاء". لحظة سقوط النظام هي لحظة الانعتاق من نيره، هي لحظة زوال الخوف من أدواته القمعية. تبالغ الأنظمة الديكتاتورية في تشييد التماثيل وفي رفع الصور لتقول للمواطن، كيفما التفت: نحن هنا.

مشهد التعاطي مع تماثيل صدّام ألهم الثوار العرب بعد سبع سنوات. في سوريا، تم تحطيم تماثيل عدّة للرئيس السابق حافظ الأسد بطريقة احتفالية. في ليبيا قامت كتيبة عسكرية إسلامية بتحطيم تمثال الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر في بنغازي. فعبد الناصر كان أحد ملهمي الرئيس الليبي السابق معمّر القذافي كما أنه يجسّد الطاغية بنظر الإسلاميين.

طريقة التعاطي مع الفضاء العام تدلّ على طبيعة السلطة والرموز التي تظهر فيه، وتدل على قيم النظام الجديد. في دول الربيع العربي، حرّر الثوار الفضاء العام من كثير من رموز الأنظمة الديكتاتورية. ولكنهم لم يستطيعوا خلق فضاءات عامة حرّة. هذا ما يكشفه تعاطي الأنظمة الجديدة وتعاطي الثوار أنفسهم مع ما يظهر في الفضاء العام.

كلمات مفتاحية
الثورات غرافيتي

التعليقات

المقال التالي