تواصل اجتماعي حتى الموت

تواصل اجتماعي حتى الموت

منّا من يتواصل عبر فيسبوك وتويتر وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي حتى يغمض عينيه وينام، وثمة من يتصفّحها لتبادل الأفكار والآراء الشخصية حتى يشعر أنه أكثر من رقم ما في بلد ما. أخريات يدخلن هذه المواقع ليخرجن منها كأموات، باسم الأخلاقيات وقوانين السموات. هناك اليوم نساء يضطهدن حتى في أحلامها الرقمية، لأن اضطهادهن جزء من المصير الذي يخططه لهن رجال مجتمعهن الواقعي.

منذ بضعة أيام حرّك إعلامَ العالم خبر تلك الفتاة السورية التي رُجمت حتى الموت بتهمة امتلاكها حساباً على فايسبوك. أمرٌ تعتبره داعش مساوياً لجرم الزنى، وبصفتها تمثّل الشريعة الإلهية على أرض العرب، اقتادت الفتاة "فطوم الجاسم" إلى المحكمة الشرعية في محافظة الرقة، التي اعتبرتها زانية وقضت عليها بالرجم حتى الموت. ما هو ذلك اللغز الذي يقف خلف اعتبار التواصل الاجتماعي خطيئة مميتة، وكيف لتلك المواقع أن تقذف ببلاد متطورة نحو مستقبل أفضل فيما ترمي بلادنا نحو الجاهلية؟

آراء كثيرة تحاول تفسير ظاهرة المواقع التواصلية الاجتماعية على أنها حركات عصرية تنتهك الأخلاقيات ولا تتماشى مع تعاليم الكتب المقدسة. بالطبع، المرأة هي الحرف الساقط الذي يجب أن يمنع من استخدام تلك الأدوات “الداعية للفتن”. استدرك هؤلاء الرجال الذين يرون المرأة كائناً متدني الشأن والقيمة، أن تلك المواقع ليست إلا وسيلة تقول الحقيقة بتجرّد، وتوصل صوت الحق المقموع ليشهد العالم أجمع عليه. إنها وسيلة أخافت هؤلاء الرجال لأنها كشفت حقيقتهم، وقد تعرّض المجتمع الذكوري الشامخ للخطر.

ولد ذلك التمييز ضد “التواصل الاجتماعي الأنثوي”، لأنه يستطيع أن يعلم المرأة أكثر مما علّمها رجلها. إذا أخذنا قصة الفتاة السعودية التي حرصت على نشر حقيقة ما حصل لها للعالم أجمع من خلال وسائل الإعلام، بعد أن تم اغتصابها والحكم عليها بالسجن والجلد، ما دفع المحكمة العليا لتضاعف عدد الجلدات، لأنها ببساطة حاولت قول الحقيقة عالياً. 200 جلدة مضاعفة لضحية اغتصاب حاولت رفع صوتها مستغيثة. تشبيهٌ حي للنظرة والمعاملة التي تحملها بعض المجتمعات إلى الفتاة التي تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي لتفضح حقيقة مجتمعها فلا يبقى سراً مكتوماً.

في بداية العام 2008 قام رجل سعودي بقتل ابنته لأنها كانت تتواصل عبر فيسبوك مع رجل. دعم الداعية علي المالكي ذلك العمل الإجرامي بقوله إن الإنترنت “ينزع” شباب الأمة، وأن فيسبوك يفتح باب الشهوة والضياع للنساء والرجال، الذين يصرفون عليه أكثر مما يصرفون ويكترثون بالطعام. منتصف العام الماضي، رُجمت حتى الموت أمٌّ شابة باكستانية لطفلين على أيادي أقربائها لأنه كان بحوزتها هاتف جوال. قام خال "عريفا بيبي" وأقرباؤها برجمها بالحجارة وبالقرميد حتى ماتت، ودفنوها في الصحراء بعيداً عن قريتها وأولادها، دون أن يوقفهم أحد. في ما لا يقل عن 15 بلد،  يُعترف بالرجم وبجرائم الشرف، بالأخص تلك الممارسة ضد الزنى. هي أفعال مشرّعة وتُمارس بكل حرية، وأتى ظل التواصل الاجتماعي ليزيد منها، وربما ليقدّر كلّ Like بحجر ترجم به امرأة.

في أواخر العام 2012، قرر مجلس أهالي قرية في مقاطعة بيهار الهندية منع النساء من استخدام الهاتف الجوال، لأنه يتسبب في تفكيك الروابط الاجتماعية، ويدفع المرأة إلى التمرد على الأسرة وتقاليدها. إذا ضبطت الفتاة وهي تستعمل الهاتف في الشارع عليها أن تدفع غرامة بقيمة 161$، وإذا كانت متزوجة فغرامتها 32$. قانونٌ جدي تم التصويت عليه بعدما شعر السكان بالحياء من تساؤلات أهالي القرى المجاورة: كم فتاة هربت من القرية مؤخراً؟

كبرت الموجة الهندية المعادية للتواصل الاجتماعي، وظهرت فتوى العام الماضي تمنع النساء من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، على رأسها تويتر وفيسبوك وتعتبره محرَّم شرعاً، لا سيما فيما يتعلق بإرسال صورهن عبرها، لكونها تزيد من قوة الغريزة الحيوانية للرجال لدى تلقّيها! كمثال على النموذج الهندي الذي يحاول جهده للسيطرة على كيان المرأة، قصة مراهقة في الهند شنقت نفسها أواخر العام الماضي، بعد أن منعها أهلها من استخدام فيسبوك، تاركة رسالة تتساءل فيها إن كان فيسبوك سيئاً لهذه الدرجة “?is Facebook so bad”.

في أذربيجان يعتبر الإنترنت فاكهة محرمة ممنوعة على المرأة، لأن ثقافة الشرف المتعلق بالمرأة متجذّرة في ذهن المجتمع. استخدام الإنترنت قد يسيء لسمعتها أو ينشر صوراً غير لائقة أو يفضح سراً كان من المفترض أن يفنى معها. الرجال يستخدمون الإنترنت 4 مرات أكثر من النساء، وكثيراً من الأحيان لأسباب تافهة كمشاهدة البورنو أو الدردشة البسيطة.

مع تطوّر ثقافة التواصل الاجتماعي وانتشار بذورها الفيسبوكية والتويترية وغيرها، تطوّرت الثقافة الجاهلية القديمة التي تميّز الأجناس وتربط المرأة بسلاسل يتحكم بها المجتمع الأبوي الذكوري، لنجد، في الألفية الثالثة، كلمات مرادفة للقمع في لغة الإنترنت والعالم التواصلي.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي