تركيا: قانون جديد يشدد الرقابة على الانترنت

تركيا: قانون جديد يشدد الرقابة على الانترنت

وقع الرئيس التركي عبد الله غول على قانونٍ يقضي بتشديد الرقابة على استخدام شبكة الانترنت في تركيا. قرارٌ يراه البعض قمعياً يضيّق من حرية العمل الصحافي، لكنه يؤكد على وحدة الصف بين رئيس الجمهورية غول ورئيس الوزراء أردوغان، كما يلقي الضوء على الموقف الصلب الذي يتخذه حزب العدالة والتنمية في وجه فضيحة الفساد التي طالت بعضاً من رموزه، وتحديات خلافاته العميقة مع حركة فتح الله غولن.

يمنح هذا القانون، الذي وضع حيز التنفيذ مؤخراً، وزير النقل والاتصالات القدرة على حجب المواقع التي تنتهك الخصوصية، كما يسمح لمزوّدي خدمات الانترنت بالاحتفاظ بمعلومات حول تحركات عملائهم، أي بجميع المواقع الإلكترونية التي يزورها المواطن وجميع المحادثات التي يجريها. الجدير بالذكر أن أردوغان نفسه قال أن عدد المشتركين بخدمة الانترنت في تركيا ازداد من 20000 إلى 34 مليون مشترك منذ استلام حزب العدالة والتنمية الحكم في البلاد.

عدا ذلك، يتيح هذا القانون للحكومة أن تحجب بعض المواقع عن المستخدمين وسط فضيحة الفساد التي أثرت على سمعة الأسواق التركية، ودفعت بثلاثة من وزراء أردوغان إلى تقديم استقالتهم. وكان أردوغان، وهو يدافع عن نهج حزبه، قد وصف الفضيحة بالمؤامرة، ملقياً بذلك اللوم على حركة الزعيم الإسلامي غولن الذي يعيش في الولايات المتحدة، والذي يحظى بشعبية واسعة في تركيا، لا سيما  داخل مؤسسات الشرطة والنيابة العامة والقضاء.

لقي القانون اعتراضاً كبيراً داخلياً وخارجياً، إذ اعتبره المعترضون انتهاكاً لحريات المواطنين الأتراك، ويحد من تحركاتهم. وقد قال الرئيس غول في تغريدة له على تويتر إنه على علم بالمشكلتين اللتين يطرحهما هذا القانون “الحجب ومراقبة الحركة”، وهو أمر سوف يأخذه بعين الاعتبار...

عبر أردوغان بدوره عن تأييده لهذا القانون قائلاً إنه: "يحمي مستخدمي الانترنت ويمنح المزيد من الحرية على الشبكة"، واصفاً الإجراءات بأنها مناهضة للفساد والابتزاز والتهديدات. إلا أن لمعارضي هذا القانون رأياً مخالفاً، حيث يتهمون أردوغان بمحاولة زيادة صلاحياته ومنع تسرب مقاطع فيديو قد تورط حزبه في فضائح فساد (أخرى). بحسب موقع الفاينانشل تايمز The Financial Time، فقد سبق لتركيا أن قدمت 1673 طلباً لشركة غوغل لإزالة بعض المواد من شبكة الإنترنت في الأشهر الستة الأولى من العام الماضي - أكثر من ثلاثة أضعاف أي بلد آخر - إلا أن غوغل رفضت معظمها.

من المتوقع أن يؤثر تشديد الرقابة على احتمال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يصبو إليه أكثرية الشعب التركي، لا سيما فئته "الليبرالية". والحقيقة إن تركيا تحتل مرتبة متدنية (154 من أصل 179 دولة) على مؤشر "مراسلون بلا حدود" لحرية الصحافة. كما أنه يوجد 49 صحفياً معتقلاً في السجون التركية منذ شهر ديسمبر الماضي، مما يجعلها أكثر دول العالم التي تسجن صحافيين على أراضيها، وفقاً للجنة حماية الصحفيين التي تتخذ من نيويورك مقراً لها. كان آخر ضحايا هذا القمع الإعلامي الصحفي الأزربجاني ماهر زينالوف الذي غادر تركيا في أوائل هذا الشهر بعد حصوله على معلومات تقول بأن الحكومة التركية أمرت بترحيله بسبب تغريداته الإنتقادية لأردوغان على حسابه الخاص على تويتر.

لم تقف كلّ هذه الاعتبارات في وجه غول الذي وافق على القانون المطروح من قبل حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ عام 2002، والذي يستعد لخوض الانتخابات المحلية المقبلة في 30 مارس 2014 واقتراع رئاسي في أغسطس 2014، وانتخابات برلمانية العام المقبل. فما هي دلالات هذا التوافق والالتحام بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وهل ينقض جميع الادعاءات السابقة بحصول شرخ سياسي بينهما؟

لو أن غول وضع فيتو على قانون الانترنت، لكان من الممكن أن يتخذ أردوغان ذلك  كدليل على حياد الرئيس إزاء حركة فتح الله غولن، إلا أنه من الواضح أن غول حريص على علاقته المتينة بأردوغان، وبهذا الحلف ذي التوجه الإسلامي. يرى الكثير من متابعي الشأن التركي أنه عندما تنتهي ولاية غول في شهر أغسطس، سيقوم بتبادل الوظائف مع أردوغان كما فعلا من قبل. فبالرغم من عدم إعلان أردوغان عن ترشحه للرئاسة - علماً بأن حزبه لديه قاعدة داخلية تسمح للمرشحين بثلاث ولايات فقط، أي أن ولايته كرئيس للوزراء تنتهي السنة القادمة - قال المتحدث باسم الحزب حسين سيليك إن أردوغان هو المرشح الأول للرئاسة عن حزبه.

فهل هي لعبة تكتيكية يجريها غول بحرصه على تحالفه مع أردوغان؟ وماذا لو قرر أردوغان الترشح لرئاسة الوزراء للمرة الرابعة، علماً أنه سبق ولمح إلى احتمال إعادة صياغة قوانين الحزب الداخلية؟ فهل يا ترى يحافظ حينها غول على موقعه كرئيس للجمهورية؟

يذكر أن الرئيس التركي عبد الله غول يحظى بـ 4.3 مليون متابع على تويتر، بالرغم من انخفاض هذه الرقم بثمانين ألف. إلا أن المسألة تبقى أكبر من عشرات الآلاف من المتابعين، وأكبر من حظر الحريات والمواقع الإباحية، (كما يدعي مسؤولون في حزب الحرية والعدالة)، بل هي مخططات داخلية للحفاظ على السلطة.

تبدو هذه المخططات جلية من خلال رأب الصدع الفوري والتلقائي الذي نتج عن المواقف المتباينة للرئيسين تجاه مظاهرات غيزي بارك العام الماضي. ففي حين شجب أردوغان المظاهرات، أشاد بها الرئيس غول معبراً عن فخره بالمتظاهرين المهتمين بالأمور ذاتها التي تهم الدول المتطورة.

موقف غول هذا ليس بغريب. لطالما عبر الأخير عن مواقفه المؤيدة للمبادىء الديمقراطية وحقوق الإنسان، ما جعله يكتسب جمهوراً خارج إطار مؤيدي حزب العدالة والتنمية. غير أن جمهوره المضمون هو ذاك الذي يقع تحت ظلال أردوغان وحزبه، والذي يشكل بحسب الاستفتاءات 40-50 بالمئة من نسبة الناخبين الأتراك. فهل تنازل غول عن هذه المبادىء والميول عبر موافقته على قانون الرقابة على الانترنت، وهل يشكل هذا التنازل ثمن الحفاظ على السلطة؟

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي