بازارات الجنس في العالم العربي

بازارات الجنس في العالم العربي

الدعارة من أقدم المهن في العالم. كانت تمارس بشرعية بين سيدٍ و"عبيده" كملكية خاصة، وتطورت إلى أن أصبحت مهنة عالمية تُمارس بكثرة ضمن قوانين تحمي غالباً بائعات الهوى. لكن خلف سوق الدعارة الهائل يكمن عالمٌ من العنف والاستغلال والهلاك، وعملية إتجار واسعة بالجنس تروح ضحيتها غالباً النساء والأطفال.

نساء يوعدن بمستقبلٍ مزهر في بلد آخر، فتستقبلهن شراشف اللذة الإجبارية، وينتهين دون أوراقهن الثبوتية، عالقات في دوامة لا خروج منها. يستقطب العالم العربي نساء من جنسيات عدّة، تتوفر لهنّ تأشيرات عبور إلى إحدى العواصم العربية، فيسرعن إليها باحثات عن نمط حياة جديد، لكن سرعان ما يصطدمن بنوايا العصابات التي تتاجر بالجنس. يُجرّدن من كلّ أوراقهن الثبوتية، فيبقى بيع الجسد وسيلتهنّ الوحيدة للنجاة والعيش، على أمل العودة يوماً إلى بلدهن الأم.

شهدت أيام التسعينات في العالم العربي ازدهار بائعات الهوى من الطبقة العليا، كلعبة راقية بين أيادي رجال الأعمال، ولكن تراجعت سوق الدعارة تلك وتفاقمت معها دعارة الفقر. ازداد عدد الفتيات القاصرات اللواتي يعرضهن أهلهن للبيع، وكذلك لاجئات الحروب اللواتي يؤجرن أجسادهن لقاء لقمة عيش لأطفالهن، والعاملات المرغمات على تقديم خدمات جنسية لأرباب عملهن خشية الموت. ما هو وضع فتاة اللذّة في العالم العربي؟ ما الذي تعيشه في موطنها وما هو مصيرها ما أن تباع للخارج؟ ما هي الجنسيات التي يحتكرها سوق الإتجار اليوم، وما هو سعر ”المومس“ كما تُسمّى؟ لمحة عن أسهم الإتجار بالجنس في العالم العربي، كمحطة عالمية للاستيراد والتصدير.

البحرين

يشاع أن المنامة مدينة ”ممتازة“ للجنس، فقد ورد إسمها في مجلة Ask Men  البريطانية ضمن قائمة أفضل المدن في مجال الدعارة. واقعٌ قد يعود إلى القوانين الاجتماعية الصارمة التي تحكم شقيقة البحرين، المملكة العربية السعودية، إذ يتوافد سكانها ابتداءً من ليلة يوم الخميس على الجسر الواصل بين البلدين، المكتظ بزحمة أفرادٍ يبحثون عن بعض المتعة. ذلك في وقتٍ تمرّ به العاصمات الجنسية العربية السابقة، مثل بيروت ودمشق والقاهرة، بأزماتٍ سياسية قاسية أدّت إلى تحويل وجهة السياحة الجنسية منها إلى المنامة. تلك المرتبة التي تحتلها المنامة قد تعود إلى قوننة الدعارة أواسط القرن الماضي، لتحديد الأماكن التي يسمح فيها بممارسة الدعارة، وذلك عبر محاولة من الاستعمار البريطاني تنظيم ظاهرة كانت تتحكّم بالبلاد في تلك الحقبة. مسألة العثور على شقة "سياحية" في المنامة أمرٌ بغاية السهولة، مع خيارٍ يتضمن جنسياتٍ مختلفة، كالإيرانية، التركية، الأوكرانية أو الروسية. رغم أن الحكومة تقوم بملاحقة أوكار الدعارة، إلا أنها لا توقف حتى 1% من عدد المنخرطين في هذه المهنة، في سوقٍ تتخللها أكبر عمليات تبييض للأموال، وفي بلد يقع تحت مراقبة مكافحة الإتجار بالبشر. تتراوح الأسعار بين 8$ و 260$ للممارسة الواحدة، وفقاً لجنسية الفتاة ومكان الممارسة. الناشطات في الأحياء الفقيرة هن فتيات آسيويات، من الجنسيات الصينية والتايلندية، يأخذن من سوق الدعارة المحلية نسبة 53% كآخر إحصائية متوفرة عن الموضوع. تهرب تلك الفتيات من البيوت التي يخدمن فيها، لأسبابٍ متعلقة غالباً بسوء المعاملة، ويقعن في شبكات يديرها آسيويون ومواطنون محليون يستغلون فقر وضعف تلك الفئة من النساء. أما العربيات والأجنبيات، فيعملن ضمن فنادق وشقق مفروشة، في ظروفٍ يتحكم بها سماسرة "المهنة".

الإمارات - دبي

لا يمكن الحديث عن تجارة الجنس دون المرور بدبي. المدينة التي استطاعت ان تنافس معظم العواصم العالمية في إسقطاب الإستثمارات، الصناعة والسياحة في عقدين أو أقل، جذبت أيضاً تجار ومافيات الجنس. منذ بضعة سنوات قيّم عدد بائعات الجنس في دبي بـ30000 امرأة من مختلف الجنسيات، تخايلوا إذاً العدد المضاعف اليوم. بلادٌ بترولية غنية صمّمت أرضها بشكلٍ تستقصب كبار رجال الأعمال ليعيشوا برفاهية لا مثيل لها، فانتشرت ظاهرة الدعارة في معظم الفنادق والنوادي الليلية. فتياتٌ يتم منحهن في بادئ الأمر تأشيرة زيارة للبلاد، تتحول إلى تأشيرة عمل، إلى أن يجبرن فيما بعد على العمل في الدعارة. وسيلة لهو شائعة في الإمارات، بالرغم من أنها غير قانونية، تؤمن فتياتاها عصابات كبيرة. فتيات من روسيا وأرمينيا والصين والمغرب، يتوزعن في أرقى الفنادق، ويكن الأغلى سعراً، وفتيات من أفريقيا والهند وإيران، يتقاضين أجور زهيدة لقاء مهمتهن في "تسلية" العمال في الأحياء الفقيرة.

الدعارة في العالم العربي - بازارات الجنس في العالم العربي - الإمارات

مصر

بحسب منظمة ECPAT العالمية، تشكل مصر بلاد ترانزيت لفتيات أوكرانيات ومولدوفيات وروسيات، يعبرن أراضيها للانتقال إلى بلاد أخرى حيث يتم استغلالهن مثل إسرائيل. مصر هي أيضاً وجهة مهمة للنساء اللواتي ينتهين كبائعات هوى، من جنوب شرق آسيا والسودان وأثيوبيا. نساءٌ يطلبن اللجوء ويهاجرن بهدف كسب لقمة العيش، ولكن سرعان ما يجدن أنفسهن مرغمات على العمل في مجال الدعارة في نوادي القاهرة الليلية. يستخدم زواج المتعة، أو زواج المصياف، غطاءً لتلك الممارسات غير الشرعية. يتم تزويج تلك الفتيات إلى رجال أثرياء من الخليج العربي، ببضع دولارات لا تذكر كمهر يستولي عليه الشخص الذي يتاجر بالفتيات، ويتم الطلاق بعد الممارسة ببضع ساعات أو أشهر. دعارة متنكرة تحمي نفسها من شرطة الآداب التي تغض البصر. يبدو أن الوضع إزداد سوءاً بعد الثورة الأخيرة، وأصبح مؤشراً على التفاوت الحاد بين الطبقات الاقتصادية، إذ يلجأ بعض الآباء إلى بيع بناتهم لتغطية النفقات، ويقصد الشباب أماكن الدعارة والشقق المخصصة كوسيلة سهلة لممارسة الجنس، جراء عدم قدرتهم على الزواج بسبب الأوضاع المادية، وذلك مقابل 15$ لخدمات الفتيات. فتيات قاصرات يناقشن أسعارهن مع الزبائن الأجانب لتصل إلى 400$، ولكن أحياناً يفاجَأن برفض الزبون الدفع عند نهاية مهماتهن، كأن كل شيء مباح له!

الأردن

تستقبل الأردن اليوم موجة كبيرة من اللاجئين. في هذه الظروف، غالباً ما يزيد الاستغلال الجنسي نتيجة وطأة العوز. كثير من اللاجئات السوريات يتعرضن للبيع لأهداف جنسية متعددة، مقابل المال أو خدمات معيشية ضرورية. فتيات لا تتجاوز أعمارهن 14 عاماً، يتم إجبارهن على ممارسة الدعارة. تم تزويج 500 سورية على الأقل لم يبلغن سن الرشد بظرف عام واحد، غير اللقاءات التي يتم ترتيبها بين رجال وفتيات من مخيمات اللجوء مقابل ما يعادل 70$. بحسب تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأميركية حول الاتجار بالبشر هذا العام، تجبر نساء من المغرب وتونس وأوروبا الشرقية على "البغاء القسري" بعد انتقالهن للأردن للعمل بمهن بسيطة تؤمن لهن لقمة العيش. كما أنّ عاملات المنازل من جنسيات أندونيسية وفلبينية وسريلانكية، يجبرن على ممارسة الدعارة مع أصحاب العمل، وينتهي بهن المطاف عاملات في الدعارة القسرية.

المغرب

20000 مغربية، معظمهن قاصرات، يعملن في سوق الدعارة في المنطقة العربية. حسب تقرير وزارة الخارجية الأميركية حول مكافحة الإتجار بالبشر، فإنهن ينتشرن في بلاد عدة، مثل الإمارات، ليبيا، الأردن، سوريا، والبحرين. وفق ما أدلت به الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، فإن 70% من المغربيات اللواتي هاجرن إلى بلاد الخليج يلجأن إلى الدعارة. بدأت تظهر موجة الهجرة الجنسية هذه في السبعينات، عندما بدأ الحديث بثروة هذه المنطقة وحصتها من البترول. هكذا، تحول الكثير من الأهل إلى صيّادي ثروات، واندلعت في البلاد نار الشبكات المختصة بالجنس، تقدم فتيات جميلات لم يتجاوزن الـ 20 عاماً. تُعدّ المغربية منذ تلك الحقبة "علامة تجارية" في الخليج العربي، فمن يقول "مغربية" إنما يقصد، حسب الأفكار السائدة، "عاهرة متمكّنة"، ومن يقول "سعودي" يفكر بزبون مهم للجنس.

في منتصف الألفية الثانية، 50% من السواح الذين قصدوا المغرب هم من وجهة عربية، يدّعون إقامة زيارات بهدف "العمل"، وسرعان ما يغرقون في حضن مغربية، بل أكثر من واحدة. استغلالٌ يزداد مع الوقت، إلى أن يصل حدّ ترحيل بعضهن لإبقائهن مقرّبات من زبائنهن.

الدعارة في العالم العربي - بازارات الجنس في العالم العربي - السعر مقابل ساعة الجنس في البحرين و لبنان و الأردن و سوريا

لبنان

يحتضن لبنان حوالي 130 نادياً ليلياً، معظمها في منطقة المعاملتين، في شارع مكتظ بالفنادق والشاليهات وفتيات اللذة. مالكو تلك النوادي يستوردون نساءهم من أوروبا الشرقية والمغرب وتونس وسوريا، ليعملن في مؤسساتهم تحت إشارة "فنانة". هكذا 6000 فتاة عبرن الحدود اللبنانية بفيزا "فنانة" عام 2012.  في لبنان الدعارة لا تكافح بذريعة تشجيع السياحة اللبنانية، وهي متوفرة للجميع، تبدأ بـ10$ للممارسة على الطرقات لتصل إلى 200$ للساعة الواحدة على سرير فندق. يكفي أن تمرّ أيضاً بأحد شوارع المدينة، كطريق خلدة على سبيل المثال، أو الطريق التي تؤدي إلى الشمال، لتتوافد على نافذة السيارة فتيات يعرضن أنفسهن. يحارب القانون تلك النوادي الليلية التي تعرض الفتيات على الزبائن، ولكن ما أن يختم نادٍ بالشمع الأحمر، يعود غالباً ليفتح أبوابه بعد فترة وجيزة، والغاية بالطبع هي السياحة. منذ اندلاع الأحداث في سوريا، كثيراً ما تعاني اللاجئات السوريات في لبنان من الاستغلال، عن طريق زواج مؤقت مقابل الخدمات المعيشية الأساسية. وفق معلومات أدلى بها الأمن الداخلي، السوريات هن الضحايا الأساسيات لشبكات الدعارة اليوم، ويشكلن 66% من تلك التجارة على الأراضي اللبنانية، تليها المولدوفيات والأوكرانيات والروسيات واللبنانيات والمغربيات.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي