"المنطقة"، نموذج عن مساحات العمل المشتركة في القاهرة

"المنطقة"، نموذج عن مساحات العمل المشتركة في القاهرة

ترتبط صورة "الموظف" في أذهان كثيرين بعمل روتيني. بدأت تلك الصورة بالبذلة الرسمية والطربوش أيام الإقطاع، ثم البذلة "الصيفية" بأكمامها القصيرة والجريدة خلال ازدهار القطاع الحكومي، لتنتهي بملابس أنيقة في عصر القطاع الخاص. ولكن على الرغم من تغير العصر، بقي مكان العمل واحداً ينحصر في غرفة فيها مجموعة من الموظفين يغادرون مكاتبهم عصراً إلى منازلهم.

ظلت صورة" المكتب" ثابتة رغم تغير الزمن، إلى أن ظهرت "مساحات العمل المشتركة" co-working spaces، وغيرت في ثقافة العمل ومفهومه للمكان. رغم قصر مرور الوقت على بداية اعتمادها في مصر (سنتان)، تخطى عدد تلك المساحات الـ 9، ومن ضمنها "المنطقة" The District التي تعدّ واحدة من أقدمها وأكثرها نجاحاً.

يقول "مازن حلمي محمد"، 27 عاماً، مؤسس "المنطقة" لرصيف 22، إن مساحات العمل المشتركة بدأت في الانتشار بداية الألفية الثالثة، وبدأ نجاحها في التحقق عام 2008 مع زيادة الأزمة الاقتصادية العالمية التي أدت إلى صرف كثير من العمال، وزيادة أعداد العاملين بشكل حر من منازلهم. تتلخص الفكرة في إيجاد بيئة عمل تحقق الأمان النفسي، وإيجاد ثقة وتفاعل بين أشخاص مختلفين. وهو ما يحقق العديد من الفوائد للعامل، فمن ناحية لا يشعر بأنه يعمل وحده، كما يوفر أمواله نتيجة التشارك في الأصول، ومن ناحية أخرى يتحقق الهدف الاجتماعي المتمثل في مشاركة العمل المنفرد مع آخرين.

رحلة وصول مازن إلى تأسيس المنطقة بدأت مع تخرجه من قسم الهندسة المدنية بجامعة القاهرة عام 2006 وتأسيسه هو ومجموعة من الشباب جمعية "شباب من أجل الحياة" التي تهدف إلى رفع وعي الشباب بالنواحي الروحانية والعلاقات الاجتماعية والثقافية. بعد فترة قصيرة أغلق جهاز "أمن الدولة" الجمعية فاتجه "مازن" للعمل في شركة مقاولات. عام 2008 تمّ تجنيده في القوات المسلحة، حيث خدم في سلاح المهندسين، وبعدها عاد للعمل في شركة إنشاءات قبل أن يتركها. يقول "مازن": لا توجد مساحة في هذا المجال في مصر للابتكار، فاستقلت وبدأت في البحث عن كيفية استغلال المساحات خارج مصر، وفي حاجتي لمكان ألتقي فيه بأشخاص آخرين بدلاً من دائرة أصدقائي الثابتة التي أقابلها في المقهى يومياً.

أخذت الفكرة تتطور حول سؤال "لماذا لا يكون مكان العمل هو نفسه المكان الاجتماعي الذي أبحث عنه؟ حاجة نكسر بيها الحيطة بتاعة الساعة خمسة دي!". تعرف مازن على فكرة مساحة العمل المشترك، استقال من عمله وبدأ مشروع "المنطقة"، له ولأجل هؤلاء الراغبين في التعرف على أشخاص جدد وأفكار جديدة وخوض تجارب مختلفة.

الحياة في مجتمع "المنطقة" تتيح للجميع أن يضيف من إمكانياته ويستفيد من إمكانيات الآخرين، في العمل وبيئته. الجرافيتي واللوحات الفنية المعلقة على الجدران هدية من المستفيدين من المشروع، بالإضافة إلى تنظيم العديد من المستفيدين لمجموعة من الأنشطة، مثل دورات تدريبية في مجالات مختلفة وحفلات موسيقية وكوميدية "ستاند آب". يقول مازن: "المنطقة مجتمع لا مركزي يعتبر تقبل الآخر من أهم ركائزه. هدفنا أن يتكون مجتمعنا بشكل شبكي يسهل الوصول لكل أجزائه، سواء الشخص أو المعلومة أو الخدمة”.

يعد الاختلاط بشخصيات جديدة في مساحات العمل المشتركة مفيداً على المستوى الشخصي والمهني، بحسب مطور البرمجيات "مصعب أحمد"، الذي تتخذ شركته من "المنطقة" مقراً لها. يقول مصعب: "هناك العديد من الأشياء التي لا أعرف ما إذا كان في مقدرتي أن أصل إليها أم لا، إذا لم أعمل في المكان، فعلى سبيل المثال لم يكن بإمكاني أن أتخيل أنه يمكن لأي فرد أن يقيم عملاً ناجحاً من خلال زراعة الأسطح".

يعد "شريف حسني"، مؤسس شركة "شادوف" لزراعة الأسطح، أحد النماذج الواضحة للاستفادة من "المنطقة"، فمع بدئه العمل على مشروعه ورحلة بحثه عن مكتب، تعرف على "مازن" الذي قدم له فكرة "المنطقة". يقول شريف موضحاً: كان عدد العاملين في مشروعي وقتها فردين فقط، وعندما ذهبت إلى "المنطقة" وجدت أن كافة احتياجاتي موجودة، ما ساعدني في التركيز على عملي بدلاً من التركيز على أمور فرعية يتطلبها امتلاكي لمكان عمل خاص بي.

يقول "مازن" إن "المنطقة" مرت بالعديد من الصعوبات منذ بدء العمل عليها في أكتوبر 2011، مثل قلة المعرفة بمفهوم مساحات العمل المشتركة، وعدم وجود إطار قانوني لهذا النوع من الأعمال، لكن مع الوقت تتغير الأمور. افتتح المشروع في فبراير 2012 وبدأ بمستفيد واحد من الخدمة، لكن وصلت نسبة الإشغال الآن لأكثر من 80% بعدد مستفيدين يصل إلى حوالي 15 شركة، يحضر منها 43 فرداً بشكل شبه دائم، إلى جانب التوسع في المساحة نفسها، فمن 500 متر مربع عند الافتتاح، توسع المكان إلى 1000 متر، ويستعد لإطلاق فرع آخر.

التعليقات

المقال التالي