5 مدونات سورية بعيدة عن الانفعال وتسجيل المواقف

مرت المدونات السورية بمرحلتين أساسيتين ترتبطان بالبيئة التكنولوجية. اتسمت المرحلة الأولى بمحدودية انتشار خدمات الإنترنت وارتفاع تكلفتها، الأمر الذي حال دون ظهور الكثير من المدونات السورية في الداخل، وظهور بعضها في الخارج، ما أدّى فيما بعد إلى حجب المدونات المستضافة على Blogspot. أما المرحلة الثانية فبدأت تقريباً عام 2009 بدخول مخدمين جديدين بـطاقة 9 آلاف بوابة إنترنت فائق السرعة، لتظهر حينها مئات المدونات، معظمها لصحافيين وكتاب هواة. وتزامنت بداية هذه المرحلة مع الانتشار المفاجئ لمواقع التواصل الاجتماعي، والتي رفع الحجب عن بعضها - فيسبوك ويوتيوب - في الأسابيع الأولى من عام 2011، لتبدأ الاحتجاجات الشعبية مانحة إياها المزيد من الثقل والأهمية، وحارمة المدونات في الوقت نفسه من تحقيق الانتشار المتوقع.

اليوم أخذت المدونات تبرز من جديد بوصفها بيئة أكثر احترافية لنشر الآراء من شبكات التواصل الاجتماعي، التي من جهتها تساعد المدونات على تحقيق أرقام تصفح مرتفعة، وتستفيد بذلك من عنصر الخطاب المعتدل الذي يميز الكثير من المدونين السوريين. وكما هي حال الصحافة والأدب، فقد نالت المدونات السورية المزيد من الاهتمام العالمي والعربي.

فيما يلي، نظرة متأنية على تدوينات ينتمي أصحابها لفرق سياسية ومواقع جغرافية مختلفة، تجعل العناصر المشتركة التي بدأت بالتشكل بين هذه المدونات أكثر وضوحاً.

البيت المبني على الرمل

"لم نكن بخير قبل الخامس عشر من آذار 2011"، الصحافية والمدرسة المساعدة في كلية الإعلام بجامعة دمشق، يارا توما، تقولها بصراحة ودون مقدمات، رغم ما حملته من رفض للحراك الشعبي المنطلق في التاريخ المذكور، معتبرةً على مدونتها “مجدلينا” أن حملات المجتمع المدني وغيرها التي نشطت في السنين القليلة السابقة للثورة، والمتعلقة بعدة مواضيع، منها الزواج المدني وجرائم الشرف وغيرها، لم تكن سوى "تحايل على الفراغ السياسي، والتفاف حول الكبت الاجتماعي، وتستر على الانحطاط الثقافي"، في الوقت نفسه وللأسباب نفسها "كنا بخير، ولكن العاصفة جاءت وسقط البيت المبني على الرمل، فكان سقوطه عظيماً"، لتعتبر في تتمة اعترافات الضوء في آخر النفق أن "المعركة اليوم هي معركة التقبّل".

مدونات سورية بعيدة عن الانفعال وتسجيل المواقف - ماجدلينا

من جانبه، لا يتجاهل المدون السوري عمار الصمادي، الذي تحمل مدونته اسم “آدم”، دور ما قبل 2011 فيما يحصل اليوم في سوريا من تطرف واحتقان طائفي وإثني، فعنوان تدوينته "وزارة التربية تتحمل مسؤولية كبيرة مما وصلنا إليه" كافٍ للتصريح أنه يلوم النظام التعليمي في سوريا على ما يحصل، فالمناهج المدرسية "مصادرة لمصلحة حزب البعث وحده فقط"، مستشهداً بعدم قراءته عن أي دور يذكر لأحزاب أخرى في المدرسة، أو لرؤساء تذكر لهم إنجازات سوى شكري القوتلي الذي كان رئيس البلاد قبيل الوحدة مع مصر في 1958، كذلك وجود مادة التربية الدينية بشكلها الهش الحالي الذي يتجاهل التنوع الديني والمذهبي في سوريا، إضافة إلى "غياب القضية الكردية عن المناهج المدرسية بشكل تام"، وغيرها من النقاط التي يرى فيها الصمادي سبباً في "ما وصلنا إليه اليوم من حالة تشرذم وانحطاط".

مدونات سورية بعيدة عن الانفعال وتسجيل المواقف - آدم

بريئة منك

المدون دلير يوسف في مدونته التي “بلا اسم” يعالج مرحلة ما بعد انطلاق الثورة، فيطرح تساؤلات تحمل في طياتها انتقادات للحال التي وصلت إليها الثورة، فيسأل "لماذا تبدر تصرفات قذرة عن ثورة عظيمة؟" منتقداً في تدوينته "من شان شو ثرنا؟" عشرات التصرفات البادرة عن الجهات المحسوبة على الثورة، كانتهاكات حقوق الإنسان وتقديس الأشخاص وإقصاء الرأي الآخر، وعدم التصدي للتصرفات المسيئة للثورة، "ألا يجب بعد سنة ونصف من الثورة أن يصبح هناك وعيٌ شعبي جمعي ثوري قادر على التحكم بردّات الفعل؟"، وبوصفها تدوينة تعبر عن رأي شخصي لم تقيدها العنجهيات الثورية وفوبيا التخوين، لتطرح السؤال الذي لا بد مرّ بذهن كل سوري؛ "لماذا صدقنا كل ما قيل لنا؟ قلبنا طيب أم غباء أم الغريق يتعلق بقشة؟".

مدونات سورية بعيدة عن الانفعال وتسجيل المواقف -

النقد الذاتي للثورة يجد له مكاناً أيضاً في مدونة “اكتبني نهراً” لفرات الحطاب، حيث تخاطب من تسميهم "مزيفي الثورة المفرغين من الأخلاق" بخطاب أشد لهجة ولكن أقل مباشرة في تسمية الأمور، واصفة "مزيف الثورة" بأنه يضع نفسه أعلى من البشر بأفكاره التي لا تقدم المجتمع أو تؤخره و"تفرض عليّ أتاوة الاحترام والتقدير لكيانك المبجل"، مضيفة كونه يملك عقلية مريضة يريد "تفريغ كبتها العاطفي وعقدها الاجتماعية في رحم الثورة"، معلنة في النهاية أن الثورة "بريئة منك، بريئة من أخلاقك ونفسك الوضيعة".

مدونات سورية بعيدة عن الانفعال وتسجيل المواقف - اكتبني نهراً

في العمق السوري

مدونة “لمحات” لمارسيل شحوارو، وبعيداً عن نقد الثورة والحشد لها، التفتت لجانب أكثر إنسانية وأكثر عمقاً، فعالجت حالة التبلد الحسي، التي تطلق في علوم الاتصال على حالة الاعتياد على مشاهدة العنف وتقلص آثارها الانفعالية، فاعتبرت أن حادثة قطع الرأس التي أثارت ضجة في صفحات التواصل الاجتماعي تحمل "أكثر من انعكاس ثوري وإنساني مرعب"، مقسمة هذه الانعكاسات إلى أربعة، منها متعلق بنا ومنها بعلاقتنا بثنائية الموت – الحياة، ومنها ما يجب التعامل معه بحرص متعلقٌ بالخوف، والأخير هو جدالنا، وتعني به الجدل الذي يدور حول طائفة وآراء المقتول، لتختم حديثها بأنها تخاف من "الذين يعتقدون أنهم آلهة ويقررون من يحيا ومن يموت... بهذه البساطة".

مدونات سورية بعيدة عن الانفعال وتسجيل المواقف - مدونة لمحات

هذه المعالجة من مدونة لمحات ليست سوى مثال، فمعظم القضايا التي يعتبرها المتحمسون للسياسة هامشية، لا تلقى الاهتمام والمعالجة الكافية في مواقع التواصل الاجتماعي، إلا في حالات التوظيف السياسي، وربما تفرض الإقامة في الداخل بالنسبة للكثير من المدونين حذراً يؤدي إلى تبني خطاب أكثر عقلانية وأقل انفعالية، معتنين بمعالجة الواقع أكثر من تسجيل مواقف سياسية.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

التعليقات

المقال التالي