أولمبياد سوتشي، حرب باردة

أولمبياد سوتشي، حرب باردة

تكاليف فاحشة، فساد، ونهب. مشكلة الكلاب الضالة وإعدامها، خطر المباني العشوائية، مسألة عدم احترام المثليين، التهديد بالتفجير، إلى طلب الهدنة الأولمبية في سوريا، وغيرها من ملفات تدوالتها وسائل إعلام العالم أجمع منذ أشهر، قبل أن تنتقل اليوم لتغطية افتتاحية ذلك الحدث الاجتماعي-السياسي العالمي الذي لن يحضره كافة رؤساء العالم، وعلى رأسهم الرئيس أوباما الذي كان قد أعلن عن مقاطعته له. تحوّلت أولمبياد سوتشي Sochi في روسيا إلى حرب باردة تعكس الواقع المتزعزع على أرض الملعب، وتعلن الفشل الذريع لافتتاحية سوتشي 2014، في بلاد بوتين الذي يتحدّى العالم أجمع في ملاعبه.

الألعاب الأولمبية للوسائل الإعلامية، هذا هو عنوان سوتشي الجديد بعد أن تسلّلت كافة الوسائل الصحفية والاجتماعية إلى كواليس روسيا، لتخطف أبرز العناوين الحالية حول شرعية تلك الأولمبياد إزاء البيئة والإنسان والسياسة، ناهيك عن موقع الرئيس بوتين في معمعة الألعاب الجارية بين أرضه وسوريا.

قام عدد من الصحافيين بابتكار (هاشتاغ) خاص على تويتر، ليتداولوا الصور والشكاوى التي تبرهن فشل سوتشي ليلة افتتاحها، تحت عنوان SochiFail، من خلال تجارب عاشوها في قلب روسيا المفتخرة باستضافتها الدورة الشتوية على أرضها، بكلفة تجاوزت 50 مليار دولار. تجهيز الممرات لذوي الحاجات الخاصة بطريقة سطحية، لا تخدمهم بشكل أساسي، مراحيض مركّبة بشكل عشوائي، غرف فنادق غير مجهّزة بالكماليات، مياه متسخة، إعادة تأهيل مبان بطريقة وهمية دون استخدام الإسمنت، مأكولات ترافقها الحشرات الميتة، وإلى ما هنالك من شكاوى جاءت بالآلاف من قبل الصحافيين الذين قصدوا روسيا لتغطية ذلك الحدث العالمي.

هل المشكلة أساسها البحث عن قشة في كومة تحضيرات الأولمبياد، أم أن الاستياء عمّ فعلاً أجواء سوتشي، رغم المليارات التي دُفعت لتجهيز أرقى أنواع الأولمبياد؟

سكان سوتشي هم أيضاً عبّروا عن استيائهم تجاه ما آلت إليه الأمور خلال التحضير للأولمبياد، بعد أن واجهوا مشاكل عدة، مثل نقص في المياه والتلوث. البعض يرى في سوتشي فرصاً للعمل وتحسّن في بنية المنطقة التحتية، ولكن قرية أخشتير تنظر إلى الموضوع بطريقة مختلفة كلياً. المياه المصفرة عامت في القرية، وصيد السلمون تحوّل إلى لملمة أشلاء، وفي وقت كانت تعتبر فيه القرية محمية طبيعية، تحوّلت مع الأشغال التي رافقت التحضير للأولمبياد محطاً للمحاجر والمقالع الرملية، وخسرت بعض الأشجار القديمة، مكتسبةً بعض المواد السامة الموجودة تحت الأنقاض. لا شيء بقي على حاله، فالمياه لم تعد صالحة للشرب، والطريق السريع لا يربط القرية بأخرياتها رغم الوعود، والأولمبياد قفز عالياً فوق المناطق المحتاجة للعون، للوصول إلى أكبر عدد من الميداليات.

اولمبياد سوتشي - عبارة تشتم الأولمبياد

روسيا بوتين تحاول قدر إمكانها السيطرة على كافة جوانب سوتشي، وهي عازمة على إثبات أنها قوة عالمية لا ترضخ لشيء، وأن روسيا الجديدة معبر العالم الجديد، وهي أقرب من أي وقت مضى من الغرب، وقائدها هو الأعظم. ولكن كيف لدولة تعيش حقبة النهضة، كما تعتبر نفسها، أن تكون بعيدة كل البعد عن احترام الخصوصية الجنسية، بل وهي أكثر البلاد مناهضة للمثليين؟ القانون الأخير الذي أصدره الرئيس بوتين منذ بضعة أشهر والذي أثار غضب وانتقادات معظم دول العالم في ظل التهيئة للأولمبياد، ينص على غرامة وعقوبة بالسجن بحق من يقوم بالترويج للمثلية أمام القاصرين، بما أن المثلية هي عار على العائلة والأخلاق والدولة. وقع تلك الفضيحة كما اعتبرتها المنظمات الدولية ما زال يسمع حتى اليوم، عندما أعلن بان كي مون وبكل وضوح في خطابه خلال اجتماع اللجنة الأولمبية الدولية أمس، عن رفضه للهجمات على المثليين والمتحولين جنسياً ودعا الجميع لرفض أي انتهاك ضدهم. قضية حساسة لم تخدم ألعاب بوتين الأولمبية، ولا صورة روسيا العصرية كما يحاول أن يجعلها، وربما تكون بهذا ضحية الألعاب السياسية التي تشنّ ضدّ بوتين. كما يقول رئيس اللجنة الأولمبية الدولية، توماس باخ Thomas Bach، إن الرياضة يجب ألا تكون منبراً لانشقاقات سياسية، أو لمحاولة تسجيل نقاط لدوافع تتعلق بالاحتجاجات السياسية الداخلية والخارجية.

الحيوان كان له حصة أيضاً في ظل حلول شعلة الأولمبياد على سوتشي روسيا، المدينة التي تواجه مشكلة الكلاب الضالة، ومخافة أن تجتاح الملاعب والساحات المخصصة للاحتفال بالألعاب الشتوية، وافتعال فضيحة ليلة الافتتاحية التي تغطيها كافة الوسائل الإعلامية، قامت السلطات بحملة للقضاء على الكلاب في الشوارع وتسميمها وقتلها.

زمن الأولمبياد الروسية ذلك هو زمن الـ50 مليار دولار، زمن الدورة الأغلى ثمناً على الإطلاق، في وقت تتكاثر فيه الفضائح على صفحات الصحف التي تتهم الدورة بالفساد وعدم الكفاءة والغرور وجنون العظمة. أولمبياد يريدها زعيمها بوتين أن تبني جسوراً جديدة مع الغرب، بينما يشكك الغرب في تغير عقيدة ذاك الأخير. ألعاب يأمل بوتين أن تجمع الروس خلف شاشاتهم لتعداد الميداليات، بعيداً عن الجدال الخارجي، وبعيداً عن التحذيرات من متفجرات داخل معجون الأسنان، قد يحملها إرهابيون إلى سوتشي، لحضور الألعاب الأولمبية والاستمتاع بصراخ الحماس وغيره، يتعالى من ملاعبها. إنها أولمبياد الهدنة في سوريا، لتتوجه كافة الأنظار نحو أولمبياد الألعاب السياسية في سوتشي.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي