كيف كانت حياتنا قبل فايسبوك؟

كيف كانت حياتنا قبل فايسبوك؟

تمّ قياس التاريخ لآلاف الأعوام بدءاً من سنة ميلاد المسيح، ومصطلحا قبل الميلاد وبعد الميلاد هما نقطة اللقاء بين الأزمنة القديمة والجديدة. اليوم، تغيّرت المصطلحات وتحوّل مسار التاريخ بين ما قبل فايسبوك وما بعد فايسبوك، ليصبح الفايسبوك ميلاد عهد جديد.

10 أعوام ومليارات اللايكات والأنلايكات والبوك والشير، وإلى ما هنالك من المصطلحات الفيسبوكية التي رافقت الصور والفيديوات المحمّلة والأفكار والجدالات، الفلسفية منها والعنصرية والعصرية والقبائلية، ووصايا انتحاريين وكلمات معزية بالضحايا على حائطٍ واحدٍ، إضافة إلى عقائد وصلوات وانتهاكات وتهديدات وأُمنيات وانتقادات واقتراحات للزواج والطلاق، كلها في شاشة صغيرة واحدة ينظر عبرها حوالي 1.28 مليار شخص في العالم. شاشة تمثّل مرآة مجتمعنا المعاصر، تعلوها كلمة فايسبوك التي أخذت العالم في مسار مختلف وغيّرت نظرتنا إليه وإلى الإنسانية والثقافة. ما هي أبرز التفاصيل التي غيّرها فايسبوك في حياتنا، وماذا عن حقبة ما قبل فايسبوك وما بعده.

قبل فايسبوك: اجتاحت الأميّة بلاد العالم الفقيرة، وظروف الحياة القاسية رمت بالملايين من الأطفال بعيداً عن ثقافة المدرسة، ومشكلة المرأة الأساسية تحكمت بها الأمية القاسية التي لا تعرف لا الكتابة ولا القراءة، والمسنون أمضوا نهاية حياتهم في العزلة والوحدة، بعيداً عن نبض الحياة.

بعد فايسبوك: أن يكون القدر قد حرمك من العلم هو شيء قديم. فايسبوك هو القدر الجديد الذي علّم كافة الأولاد والمراهقين والمشاغبين منهم الكتابة والقراءة وبلغات عدة، فالتواصل مع الآخر أصبح أمراً بديهياً وبالفطرة الفايسبوكية تعلّمت مختلف الشعوب القراءة والكتابة وتبادل الأفكار. المسنّ بعد فايسبوك بات هو الشاب الذي يملك القدرة في العالم الرقمي على إزالة كافة الحدود للتواصل مع العالم أجمع واستكشاف خفايا الحياة... فهو في النهاية من يملك الوقت الأوفر لملازمة فايسبوك 24/24!

***


ق.ف: أن تكون على علاقة مع أحد ما وتتمتع بروح الرومانسية هو كل ما يتمناه الإنسان. حب، ثقة، سلام داخلي، حنان، نظرات، وكلمات عشق ترفعك في لحظات إلى الجنة...

ب.ف: من هي تلك الصديقة الجديدة التي أضفتها في فايسبوك؟ ومن تلك الأخرى التي تعلّق على الصور التي تحمّلها! ولماذا صديقتك السابقة حاولت العثور عليك بعد 7 أعوام على فايسبوك؟ هذه هي الجلسة الرومانسية التي يعيشها ثنائي سعيد في أيام ما بعد فايسبوك. الغيرة حلّت مكان الثقة، والتسلل عبر فايسبوك الآخر ما أنْ يدير وجهه احتل مركز السلام الداخلي، والمشاعر الفائضة أخذت تتوزع بين آلاف الفتيات والشباب على صفحتك، وإنْ لم تكتب أنك على علاقة، قد تفقد صديقتك، كما يمكن لك أن تبحث عمن “ليسوا على علاقة”، كما يفعل أي دون خوان على صفحته. برهانٌ على ذلك، أصبح الطلاق من المزايا الفايسبوكية الجديدة، كما تؤكد الدراسات.

***


ق.ف: الإرهابي كائنٌ بربري غريب، يعيش في بلاد بعيدة عن أية حضارة، ويملك فلسفة غريبة أشبه بفلسفة الكائنات الفضائية، وربما يتواصل معهم! أنْ ترى صورة إرهابي على شاشة التلفاز الكبيرة أشبه بظهور شبح أمامك، فقد يحكمك الرعب ولا تبصر عيناك النوم. لقد شاهدت إرهابياً بأم العين!

ب.ف: الكائنات الإرهابية الآتية من عصر الجاهلية هم شبان وشابات اليوم، ربما تكون معهم صديقاً على فايسبوك قبل أن تكتشف أنه قام بعملية انتحارية في صباح ما، وقام بقتل عدد من أصدقائك الآخرين، بعد أن ترك رسالة أخيرة على الجدار الجامع بينكما.

***

ق.ف: المظاهرة رمزٌ تاريخي ساعة تحصل، والتحضير لتلك الحركة الشعبية التي تجتمع لإسقاط النظام تأخذ تكتيكاً معيناً ومخططاً سرياً لا يفضحه العملاء، بانتظار اللحظة الصفر والهروع إلى الساحة للمطالبة بالعدالة.

ب.ف: فايسبوك هو أداة المشاغبة الأولى التي تحيّر أنظمة العالم، فكلمة بعد كلمة، وتحريضاً تلو الآخر، وبرفة عين تنزل الشعوب إلى الساحات. من ميدان مصر إلى أوكرانيا، ثمة شبكة واحدة تجمع الشعارات المناضلة والتحريضات المعادية، فيسقط الملك أمام شعبه الفايسبوكي. حتى ولو قمت برسم كاريكاتور أزعج فئة من مجتمع مدينتك، يحول فايسبوك القضية إلى حركة عالمية تجتاح كافة المدن والشوارع والثقافات. فايسبوك جعل كل فرد من الشعب ناشطاً فعالاً وقائد حزب ومحرك ثورة.

***


ق.ف: الصحافة كانت مهنة سامية ومعقدة، تتخللها المخاطر والتحديات للتمكن من التقاط صورة، ومرحلة الخطف هي التي قد تتيح مقابلة ناجحة. الصحافي هو عين وأذن وصوت الشعب.

ب.ف: وزّع فايسبوك شهادات متخصصة في مجال الصحافة لكل من يدخل موقعه ويحمّل صوراً من أرض الواقع، إذا سنحت له الفرصة أن يكون في قلب الحدث، ولمن يكتب الواقع كما يراه بلغته، ولمن يظن أنه يعرف التاريخ والحضارة والدين والعلم والثقافة. ما يقال على فايسبوك هو في نظر المجتمع المعاصر حقيقة وواقع، والفايسبوكي أصبح هو عين وأذن وصوت الصحافي.

***


ق.ف: خصوصيتك ملكك وخصوصيته ملكه، واحترام تلك الخصوصية أمر بديهي يعرفه كل إنسان.

ب.ف: أعرف مع من تكون أينما تكون ومتى تكون. أعرف أنك لم ترسل لي دعوة رسمية لأقتحم حفلتك، ولكنني كشاب فايسبوكي (كول) بإمكاني بكل بساطة أن أتبعك في كافة نشاطاتك، وألتقط صوراً لك في أحرج الأوقات، وأحمّلها في صفحتي ليراها كافة أصدقائك وعائلتك وأجدادك، وأترك تعليقاً شهياً للجدال، دون أن أنسى اللايك والشير.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي