أثرياء العرب يحولون الكرة إلى مستعمرة تسويقية

أثرياء العرب يحولون الكرة إلى مستعمرة تسويقية

لا يدخر أثرياء العرب أي جهد لتحويل كرة القدم الأوروبية إلى مستعمرة استثماراتية ضخمة، قد لا تعود لهم بالربح المادي المكافئ للمبالغ الطائلة التي يتم صرفها، إلا أنها تقدم ترويجاً هو أقصى ما تحلم به كبريات الشركات والمؤسسات العالمية. على الرغم من استحواذهم على أكبر الأندية الأوروبية، إلا أن  شيوخ الكرة  يحاولون الاستفادة بأكبر قدر اقتصادي ممكن، سواء من الأندية التي أصبحت ملكهم، أو تلك التي لا زالت عصية على ذلك، (حتى الآن على الأقل!).

في هذا السياق، تواصل قطر محاولة إحكام السيطرة على نادي برشلونة Barcelona الإسباني، وذلك إثر عرض جديد يقضي بتغيير اسم ملعب النادي من كامب نو Camp Nou ، إلى "قطر كامب نو". تناولت صحيفة إلموندو ديبورتيفو المقربة من النادي الكتالوني تفاصيل العرض مؤكدة أن البارسا سيحصل على ما يقارب 500 مليون دولار موزعة على ثلاثين عاماً، إن تم قبول العرض.

سبق لمؤسسة قطر Qatar Foundation أن عدلت عقد رعايتها للبارسا ليستبدل شعار المؤسسة على قمصان الفريق بشعار الخطوط الجوية القطرية Qatar Airways، علماً أن صفقة رعاية الفريق التي أبرمتها قطر وصلت إلى ما يقارب 200 مليون دولار، لتكسر الدولة المستضيفة لكأس العالم 2022، 111 عاماً من السياسة التي انتهجها نادي برشلونة بعدم وضع أي إعلان على قميصه.

بالعودة إلى أولى خطوات الاستثمار والرعاية العربية في الملاعب الأوروبية، تطل شركة طيران الإمارات Fly Emirates لتكون صاحبة السبق عندما وقعت عقد رعاية مع نادي آرسنال Arsenal الانكليزي مقابل ما يقارب 150 مليون دولار عام 2004، وشملت الصفقة وقتها إطلاق اسم الشركة على ملعب النادي الجديد الذي جرى افتتاحه عام 2006، بالإضافة إلى الترويج للشركة على فانيلة الفريق.

download (12)

الشركة الإماراتية التي يرأس مجلس إدارتها الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، لم تتوقف طموحاتها الترويجية عند نادي آرسنال، فوضعت شعارها على قميص نادي ميلان Milan الإيطالي مقابل أكثر من 80 مليون دولار لمدة خمس سنوات، وعلى قميص باريس سان جيرمان PSG الفرنسي بعقد بدأ بما يقارب أربع ملايين ونصف المليون دولار، قبل أن يتم تجديده مقابل أكثر من 30 مليون دولار، وفي الوقت الذي لم يكشف الرقم الذي اتفقت عليه الشركة مع أندية هامبورغ Hamburgالألماني و أولمبياكوس Olympiakos اليوناني، فإن الصحافة الإسبانية قدرت المبلغ الذي دفعته الشركة مقابل الإعلان على قميص ريال مدريد Real Madrid بـأكثر من 200 مليون دولار في عقد يمتد حتى نهاية موسم 2018.

طيران الإمارات ليست الشركة الإماراتية الوحيدة التي خاضت معترك التسويق الرياضي، حيث وقع طيران الاتحاد عام 2011 عقد رعاية مع نادي مانشستر سيتي Manchester City الانكليزي بلغت قيمته 450 مليون دولار، في صفقة تشمل إعادة تسمية ملعب النادي ليصبح "ستاد الاتحاد".

تزامنت الاستثمارات القادمة من الشرق الأوسط مع معدلات قياسية من المداخيل المالية في كرة القدم الأوروبية، بحسب ما أوردت مجموعة الأعمال الرياضية "sport business group" العاملة لحساب مؤسسة "ديلويت" Deloitte المحاسبية العالمية، وجاء في تقرير المؤسسة المالية المرموقة الأخير، أن إجمالي دخل أكبر 20 نادياً في العالم ارتفع بنسبة 3 في المئة ليتجاوز بذلك 6 مليارات دولار، والنسبة الأكبر من هذا المبلغ جاءت بسبب الاستثمارات من منطقة الخليج والشرق الأوسط.

دون جونز الشريك المسؤول عن مجموعة الأعمال الرياضية أكد من خلال التقرير أنه "من غير المفاجئ أن نرى مؤسسات وشركات الشرق الأوسط، التي تسعى إلى ترويج اسمها على المستوى العالمي، تتجه أكثر فأكثر إلى اختيار كرة القدم كوسيلة لتحقيق هذا الأمر. فالشعبية العالمية لكرة القدم، والشغف الكبير بها توفر فرصة هائلة للقيام بذلك، وخصوصاً في البطولات الأوروبية الكبرى لناحية العرض الواسع للماركات والمنتجات. ومع نضال الاقتصاديات الأوروبية للصمود في مواجهة ضغوط الركود الاقتصادي، والتي قد تطرح تحديات محلية تواجه المساعي الرامية إلى تأمين الرعاية والاستثمار، تبرز شهية الأندية الأوروبية والشركات الشرق أوسطية علي حد سواء لبناء شراكات جديدة".

من جهة أخرى، فإن الاستثمارات أو العروض التسويقية العربية، ليس بالضرورة أن تكون مقبولة من الجميع، فقد كشف رئيس مجلس الإدارة لنادي بايرن ميونيخ Bayern Munich الألماني كارل هاينز رومينيغه Karl-Heinz Rummenigge أن النادي رفض عرضاً خليجياً للاستثمار فيه، مشيراً إلى أن "الأمر واضح فجمهورنا لن يحب ذلك. ولنكن واضحين: نحن لا نحب ذلك أيضاً"، علماً أن ملعب النادي البافاري أليانز أرينا – Allianz arena سمي بناء على عقد الرعاية المبرم بين النادي و شركة أليانز الألمانية الشهيرة للتأمين.

يبقى أن نشير إلى أنه بالتزامن مع هذه المليارات العربية التي تنفق على كرة القدم الأوروبية، ما يزال الوطن العربي يشكل واحداً من أكبر كانتونات الفقر والجوع في العالم!

عمر قصير

صحافي سوري مقيم في تركيا، مساهم في عدد من وسائل الإعلام السورية المكتوبة والمرئية. متخصص في الشؤون الرياضية.

التعليقات

المقال التالي