مخصصات العائلة المالكة البريطانية، نقاش بمثابة نموذج

مخصصات العائلة المالكة البريطانية، نقاش بمثابة نموذج
عادت إلى الواجهة مجدداً، مسألة المخصصات المالية للعائلة المالكة في بريطانيا، لتذكر بالواقع الذي تعيشه الدول العربية، حيث يصعب تحديد رواتب ومخصصات ملوكها ورؤسائها.

الواقع إنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها العائلة المالكة البريطانية للانتقاد من قبل البرلمان، تحديداً في ما يتعلق بمسألة الإنفاق؛ إذ أن الدعم الشعبي الذي يحصّن العائلة المالكة، لا ينفي العبء المالي الذي تشكله نفقاتها على دافعي الضرائب البريطانيين، خصوصاً في الأوقات المالية الصعبة.

وكانت لجنة برلمانية ترأسها النائب عن حزب العمال المعارض مارغريت هودغ Margaret Hodge، انتقدت الإنفاق الملكيّ في الثامن والعشرين من يناير الماضي، من خلال تقرير يوضح أن العائلة الملكية قد صرفت العام الفائت قرابة 33 مليون جنيه استرليني (ما يقارب 54 مليون دولار)، وهو ما تعدى الميزانية المخصصة لها من الخزينة، مما اضطرها للجوء إلى احتياطيها لتغطية العجز المقدّر بمليوني جنيه.

وأظهر التقرير تدهور حال قصر باكنغهام Buckingham وإهمال الإصلاحات التي كان من المفترض إجراؤها، موضحاً أن "القصر المشيّد منذ ثلاث مائة عام يفتقر إلى أبسط التحديثات، فأسلاكه الكهربائية لم يتم تغييرها منذ عام 1949، كما أن أجهزة التسخين الموجودة فيه تعود لستين عاماً، إضافة إلى تساقط قطرات الماء من سقف إحدى غرفه التي تحتوي على تحف وقطع فنية". لم يتطرق التقرير إلى مشكلات قصر باكنغهام فحسب، وإنما ذكر أيضاً الإصلاحات المهملة في عدد من الأماكن الملكية الأخرى، كقصر ويندزور Windsor ومدفن الملكة فكتوريا وزوجها الأمير ألبير. ونبهت اللجنة في تقريرها إلى المبالغ المالية الطائلة التي تتطلبها كل تلك الإصلاحات.

حمّلت هودغ المسؤولية للحكومة ووزارة المال اللتين قصرتا على حد قولها، في خدمة الملكة بالتخطيط والإدارة المالية، معتبرة أن على الحكومة أن "تفتح المجال أمام العائلة المالكة كي تزيد من دخلها وتقلص مصروفاتها أكثر"، مؤكدة أن "تحسّناً ما طرأ على دخل العائلة المالكة في العام الماضي، لكن هذا التحسن يجب أن ترتفع نسبته كي يساعد الحكومة في تقليص ميزانيتها المخصصة للعائلة المالكة".

قدمت اللجنة في تقريرها اقتراحات في هذا الشأن، منها فتح أبواب قصر باكنغهام أمام الزوار لمدة أطول وليس فقط في فترة الصيف، وتقليص عدد الموظفين كما فعلت العديد من مؤسسات الدولة في إطار سياسات التقشف التي تتبعها المملكة المتحدة منذ سنوات.

يمكن القول إن النقاشات التي أثارتها انتقادات اللجنة البرلمانية البريطانية لموازنة العائلة الملكية، تعيد إلى الذهن الهوة الكبيرة بين العالمين الغربي والعربي على صعيد حرية التعبير من جهة، واحترام القانون من جهة أخرى والخضوع له مهما علا شأن الشخص، ناهيك عن مساءلة المواطنين العرب عمّا يتقاضى الحكّام وأحياناً عائلاتهم.

الواقع، إن مجرد السماح بمناقشة موازنة العائلة المالكة وتوجيه النصح لها على مستوى إدارة هذه الموازنة وتنظيم الأولويات، بصورة علنية، يعتبر نموذجاً يمكن أن يصبو إليه كل مواطن في أي بلد، تحديداً على مستوى المساءلة والشفافية في إدارة المال العام واستخداماته. يجدر بالذكر أن العرش البريطاني، وعلى رأسه الملكة إليزابيت الثانية، يكلف كل مواطن أقل من دولار واحد سنوياً، ولكن العائلة المالكة إن قُيمت كمؤسسة، فتقدّر ميزانيتها بـ 70 مليار دولار أميركي، في حين تقدر الثروة الشخصية للملكة بنصف مليار فقط.

إن ثروات الحكام العرب مجهولة إجمالاً، فيما الجميع يعلم أنها كبيرة ومصادرها أكثر من أن تحصى. وبذلك، فإن المصروف الملكي البريطاني قد لا يتعدى 5% من مصروف أحد ملوكنا.

ربما تكون الخزانة المليئة بالأوراق النقدية التي اكتشفت في أحد قصور الرئيس التونسي، الذي خلعته الثورة زين العابدين بن علي، أبلغ دليل على ثروات لا يكشفها إلا تغيير النظام. الأكيد أن واقعاً كهذا يقع في صلب الربيع العربي، وإن كان نقاشه لا يخرج كثيراً إلى العلن تحت ضغط أوضاع أكثر إلحاحا، كالأمن والسياسة.

التعليقات

المقال التالي