"مسلم-مسيحي" في الأغنية المصرية

"مسلم-مسيحي" في الأغنية المصرية

نهاية التسعينات ومع ختام القرن العشرين، طالعنا المغني المصري محرم فؤاد بأغنية "بحبك يا شبرا"، ومحرم فؤاد، الذي ينتمي إلى جيل غربت عنه الشمس بعد انتشار موجة الأغاني القديمة فترة الستينات، قرر أن يغني أغنية جديدة يتحدث فيها عن حيه القديم شبرا. هذا الحي بتركيبته السكانية الخاصة، ضم في زمن غابر أجانب، مصريين مسلمين، مسيحيين، إضافة إلى مصريين يهود، فكان بذلك حياً كوزموبوليتياً قبل أن يغادره كثير من أجانب مصر بعد ثورة 1952.

اعلان


ورغم أن التراب علا بيوته، وازدحم بالمارة والمركبات والمحال والمباني المتجاورة، التي حولت شوارعه لأزقة ضيقة تكاد تنطبق على بعضها، وطال الحي ما طال أحياء قديمة من القاهرة، مثل السكاكيني وحدائق القبة، حيث طُمر طابعه القديم تحت طبقات من القبح والتوسع والزحف السكاني، فقد غنى محرم لحيه القديم أغنية نعتها الكثيرون حينها بالساذجة. لكن ما يحضرنا اليوم منها هو مطلع الأغنية التي بها مسحة من شجن قديم مع توزيع حديث مفتعل "بحبك يا شبرا بحبك صحيح/ يا موال وأوبرا وعامي وفصيح/ يا جامعة محمد وعبد المسيح/ على بسطة واحدة بحبك صحيح"

حي شبرا المكتظ الذي يتوسط القاهرة هو من أكثر أحياء مصر التي تجاور فيها المسلمون والمسيحيون، ولم تسجل فيه حوادث فتنة طائفية مرتفعة. ورغم النجاح المحدود للأغنية، لم يقحم  فيها محرم فؤاد قضية الوحدة الوطنية ولا موضوع التعايش بين المسلمين والمسيحيين. قديماً لم تكن الأغنيات الوطنية أو التعبوية، التي ظهرت في فترة حكم ناصر والسادات، بحاجة إلى التأكيد على التعايش المزعوم بين المسلمين والأقباط. لكن من الغريب أن الإذاعة المصرية كانت تحذف مقطعاً من أغنية عبد الوهاب "أخي جاوز الظالمون المدى"، من كلمات محمود حسن اسماعيل، يقول فيه  "يسوع الشهيد على أرضها يعانق في جيشه أحمدا". ربما رأى الرقيب حينها أن تعبير يسوع الشهيد يتعارض مع معتقداته، فحذف المقطع، ولكن يلاحظ بشكل عام أن ذاكرة الغناء المصري الكلاسيكي لم تحتفظ بأغانٍ تتحدث عن الوحدة الوطنية بشكل مباشر وفج.

مع تكاثر أحداث العنف الطائفية ضد المسيحيين في مصر بداية الألفية الثالثة، ظهرت العديد من الأغاني التي تحمل توقيع مخرجي كليبات دعاية الحزب الوطني "حزب مبارك"، وتميزت بطابع ساذج وموجه، وتتضمنت تيمة التعايش الإسلامي المسيحي، بينما كانت الدماء تسيل في الشوارع. لقد كانت أغنيات تخاصم الواقع، فسمعنا عبارات مثل "ده كلام جرجس وعم نصر، يبقى أنت أكيد أكيد في مصر"، بينما على الأرض لا يزال جرجس "الذي يمثل الشخص القبطي"، يعاني في بقاع كثيرة من مصر جراء العيش مع عم نصر "رمز المسلم".

فيما كان البعض يحتفل بليلة رأس السنة عام 2010، ارتجت جدارن كنيسة القديسين بالإسكندرية إثر انفجار أسقط حوالي مئة شخص ما بين قتيل وجريح، غالبيتهم أقباط. انفجار لم يعرف حتى اليوم من كان وراءه، وترددت أقاويل كثيرة حول مسؤولية نظام مبارك عنه. بعد هذا الحادث ظهر كثير من الفنانين، معظمهم محسوب على نظام مبارك في أوبريت مسلوق غلب عليه الأداء والغناء المفتعلان، وكأن المشاكل تحل بالغناء. يكفي أن ننظر في وجوه الممثلين الذين يؤدون أوبريت "مفتاح الحياة" الذي يبدأ بجملة "لا وألف لا لكل أعداء الحياة" لتعرف مدى البؤس الذي وصلت إليه الأغاني الوطنية بالمقارنة مع أجيال سابقة، شكل عصبها عبد الوهاب وعبد الحليم وأم كلثوم.

هذا البؤس ظهر أيضاً في الأغنيات التي واكبت ثورة 25 يناير وما بعدها، حدّ أن أطلق المغني الشاب، حماده هلال، أغنية مطلعها "شهداء 25 يناير ماتوا فأحداث يناير، ماتوا وفارقوا الحياة"! بعد 30 يونيو زادت وتيرة الأغنيات الدعائية التي تلاءمت مع تردد السلطة الحالية، فانفجرت ماسورة الأغاني التي تقحم بين ثناياها الوحدة الوطنية، والتي بدأها مصطفى كامل، نقيب الموسيقيين المثير للجدل، الذي لحن وغنى مع آخرين أوبريت "تسلم الأيادي" بعبارات معلبة صيغت في عجلة! وقد غنى إيهاب توفيق متسائلاً "قول يا أبونا وقول يا شيخنا يعني إيه 73؟" وعطف عليه "حكيم" بجملة أكثر بلاغة "أسألوا الرمل اللي فـ سينا أنت مروي بدم مين؟ دم حنا ولا مينا ولا دم المسلمين؟"، وهي ثلاث أسئلة بلاغية لا تنتظر إجابات من سامعيها.

تحفل المكتبة الموسيقية بعشرات أغاني المناسبات التي تم طبخها بدعم من السلطات القائمة لتبييض صورتها أمام الرأي العام، بينما توارت أغانٍ تحمل قدراً ولو يسيراً من الصدق، ربما لأنها لم تصنع بدعم رسمي وتحمل بساطة التعبير، مثل "عم مينا"  لفرقة وسط البلد،  و"مدرستي القديمة" لفرقة الحب والسلام، وهما فرقتان  مستقلتان. لكن، ورغم الانحسار الملحوظ لموجة الإسلام السياسي وتواري الفكر الأصولي خوفاً من قبضة الأمن، إلا أن التعايش بين المسلمين والمسيحيين في مصر سيظل مجرد كلام معبأ في الأغاني، إلى أن يثبت العكس.

التعليقات

المقال التالي