لامبالاة أوروبية اتجاه اللاجئين والمهجرين إليها

لامبالاة أوروبية اتجاه اللاجئين والمهجرين إليها

آل يأس اللاجئين العرب "المحتجزين" في المراكز الأوروبية إلى استخدام قطعة حديدية من الولاعة وخيوط مستلة من الأغطية لخياطة أفواههم احتجاجاً على أوضاعهم المأسوية، فلا تعود شفاههم تفتح للفظ تلك الكلمات المتألمة التي لا يريد أحد سماعها. أوروبا لا تقوم بواجباتها اتجاه ذلك الملف البالغ الأهمية، بل تلجأ للعنصرية والإساءة إذا ما اضطرت إلى التعامل معه بقفازات متسخة.

منذ بضعة أيام خاط 13 مهاجراً مغربياً محتجزاً، في أحد مراكز المهاجرين بضواحي روما، شفاههم احتجاجاً على إهمال قضيتهم الإنسانية، وإبقائهم فترة طويلة قيد الاعتقال خشية الطرد، وكأنهم مجرمون. مجموعة المهاجرين نفسها كانت قد اعتصمت منذ بضعة أشهر دون أية نتيجة، في وقت تدّعي السلطات الأوروبية قيامها بواجباتها لتنظيم تدفّق المهاجرين العرب إلى شواطئها، وبالأخص من سوريا. خطوة مؤلمة تضع إيطاليا مجدداً في خانة العنصرية، لاسيما أن الشارع الإيطالي والأوروبي ما زال مستاء من الفيديو الذي بثته قناة RAI2، ويظهر سوء معاملة المهاجرين في أحد مراكز لامبيدوزا اللا إنسانية.

الفيديو - العار سجّله مهاجر داخل مركز لامبيدوزا بتلفونه الخاص، ويظهر مهاجرين عراة يقفون في البرد ويخضعون للرش بمطهرات للعلاج من داء الجرب، وكأنهم فصيلة نتنة من الحيوانات، على أرض تبعد بضعة أمتار من البحر الذي ابتلع أكثر من 360 جسداً حياً لمهاجرين غير شرعيين حاولوا اللجوء للأراضي الأوروبية في شهر أكتوبر الماضي.

اعترفت السلطات الإيطالية بأن تجريد الإنسان من ملابسه وسط البرد القارس أمرٌ مهين لا يليق بدولة متحضرة، وأنه يجب إعادة النظر بقانون بوسي فيني Bossi-Fini الذي يعامل اللاجئين هرباً من العنف والفقر كمجرمين. ذلك الفشل الإيطالي في إدارة ملف اللاجئين إليها دفع الدولة مرة أخرى إلى محاولة اتهام دول أوروبية مجاورة بالتقصير والإهمال، إذ أنها تعتبر نفسها من الدول العشر التي وافقت على استقبال 12 ألف لاجئ سوري العام الماضي، فيما بلدان أوروبية أخرى لم تحرك ساكناً لمساعدة اللاجئين من النساء والأطفال على أراضيها، في مواجهة رقم يصل إلى 127 ألف شخص يهربون من سوريا وحدها كل شهر.

تنص اتفاقية Dublin 2 على أن الدولة الأوروبية التي يصل إليها اللاجئ هي المسؤولة عن احتضانه وتوفير مكان إقامة له ومعاملته كإنسان حر على أراضيها. أمر يشعر الدول الأوروبية الواقعة على أطراف القارة بأنها تتحمل أكثر من طاقتها، لذا تطالب الدول الأخرى بالمزيد من التضامن، بينما تحتجّ تلك الأخيرة بالاتفاقية وترفض المساومة.

هكذا رفضت ألمانيا إعادة النظر بقواعد توزيع اللاجئين في أوروبا بعد الكارثة الأخيرة التي وقعت على سواحل لامبيدوزا، بذريعة أنها البلد الذي استقبل أغلب اللاجئين السوريين في الآونة الأخيرة، في حين ترفض البلاد الأوروبية الأخرى أن تحرك ساكناً، طالما تبدو الأمور إيجابية لسياساتها في الوقت الراهن.

ذلك الإهمال الأوروبي اتجاه الإنسانية اللاجئة أقرّ به منذ بضعة أيام ساليل شيتي Salil Shetty، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية، معتبراً أنه يوجد حالياً مليونان ونصف مليون لاجئ من سوريا، 97% منهم في الدول المجاورة الفقيرة نسبياً، مثل لبنان والأردن، و3% الآخرين لا تعرف قارة أوروبا بأكملها كيف تتعامل معهم وتحافظ على حقوقهم الإنسانية. 14 ألف لاجئ دخلوا أوروبا، 11 ألف منهم إلى ألمانيا وحدها، 3 آلاف توزعوا في 11 دولة، ودول الاتحاد الأوروبي الـ17 الباقية لم تستقبل أحداً. الواقع الأوروبي كما يوضحه الأمين العام للمنظمة، بإمكانه استيعاب 250 ألف لاجئ سنوياً على مدى 5 سنوات. لكن اللامبالاة تجتاح القارة الأوروبية، في وقت لن يتوقف فيه اللجوء السوري والعربي نحو أراضيها.

حقيقة أن أوروبا تقوم بما عليها القيام به غير صحيحة. وحادثة لامبيدوزا المروعة هي دليل إضافي على ذلك. أثارت هذه المشاهد القليل من البلبلة لدى الرأي العام الأوروبي، ولكن من دون أن تحدث تغييراً على أرض الواقع.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي