بين القنص والخطف: المراسلون في سوريا يواجهون مخاطر جديدة

بين القنص والخطف: المراسلون في سوريا يواجهون مخاطر جديدة

لطالما حملت التغطية الصحافية للحروب معها مخاطر شديدة للصحفيين. فمثلاً، يمكن اعتبار مهارة الهروب من الرصاص جزءاً من متطلبات المهنة، فيما تزيد معرفة وسيط موثوق به من احتمال خروج صحافي ما من ميدان الحرب على قيد الحياة. ولكن في سوريا، فإن الصعوبات والمخاطر التي يواجهها الصحافيون قد زادت بشكل مضطرد منذ بدء النزاع. التغطية الإعلامية في سوريا تحمل في طياتها الآن أنواعاً جديدة من المخاطر والمعوقات.

مع بدء الأزمة السورية منذ حوالي 32 شهراً، قام الجيش السوري والمسؤولون الحكوميون بملاحقة الصحافيين الذين كانوا يقومون بتغطية المسيرات المناهضة للرئيس السوري بشار الأسد ومحاولات الحكومة قمعها. ولكن الآن، لدى الصحافيين قلق حيال نوع جديد من الأخطار: أي عمليات الخطف التي تقوم بها المجموعات المعارضة المسلحة، خاصة في "المناطق المحرّرة" في الشمال السوري التي يسيطر عليها الثوار ـــ بما يتناقض مع ما يجب أن تكون عليه الأمور في منطقة محررة.

مع ازدياد عدد الصحافيين الذين يقتلون أو يختطفون، بدأ الصحافيون في الامتناع عن الذهاب إلى مناطق النزاعات للقيام بعملهم في تغطية الأحداث، خاصة أولئك الذين ليس لديهم صلات داخل سوريا.

الموت في سوريا لا يميّز بين صحافيين محليين وآخرين أجانب، أو صحافيين شباب وصحافيين متقدمّين في العمر. مؤخراً في 20 ديسمبر قتل ملحم بركات وهو مصور سوري شاب يبلغ من العمر 17 سنة كان يعمل لوكالة رويترز خلال تغطيته معارك في حلب. بحسب لجنة حماية الصحافيين  The Committee to Protect Journalists، منظمة تقوم بمراقبة الحريات الإعلامية، فقد قتل 55 صحافياً خلال تأدية عملهم في سوريا، منهم 2 فارقا الحياة خارج سوريا متأثرين بجراحهم بعد تعرضهم للهجوم داخلها. تختلف الأرقام بين المنظمات التي تهتم بمساندة الصحافيين، بما أن كل منظمة لديها مقاربتها الخاصة المتعلقة بتعريف العمل الصحافي وتحديد ما إذا توفي صحافي ما خلال تأدية عمله أم لا.

شريف منصور، منسّق برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في لجنة حماية الصحافيين، وضّح لنا كيف تتحقق اللجنة من كل حالة وفاة لتحديد ما إذا كانت حدثت كنتيجة للعمل: "نحاول التثّبت من ما إذا كان الصحافي قد قتل بنتيجة مباشرة لعمله. مثلاً خلال تبادل إطلاق النار في حالة اشتباك حربي، أو ما إذا تم قتله عمداً بسبب مهنته، أو أيضاً ما إذا كان الصحافي قد قتل خلال تأديته لمهمّة خطرة بطبيعتها".

في حين أنه يوجد هناك دائماً خطر التعرض للإصابة أو الموت جرّاء الاشتباكات في أي منطقة نزاع، يتعين على الصحافيين اليوم، أكثر من أي وقت مضى في زمن الحرب، التعامل مع احتمال خطفهم بشكل جدي وحقيقي. بالنظر للطبيعة غير المستقرة والمتغيرة بشكل مستمر للمجموعات المختلفة، فإنه من السهل حتى بالنسبة للصحافيين الأكثر خبرة أن يضيعوا اتجاههم داخل سوريا.

غيث عبد الأحد، صحافي مخضرم في صحيفة الغارديان The Guardian وحائز على جوائز صحافية عدة، كان قد قام بتغطية العراق مع بدء الغزو الأمريكي، كما أنه غطى سوريا على نطاق واسع. على الرغم من خبرته العميقة، يعتقد غيث بأن تغطية الأحداث في سوريا قد أثبتت بأنها أصعب من تغطية أي حرب أخرى: "في البدء، كل صراع يمر بحالة مماثلة. تأخذ نفس المخاطر وتقوم بنفس الحسابات. ولكن يبدو أن الفرق، عندما يتعلق الأمر بسوريا، هو أنه حتى في أسوأ الأماكن كالعراق واليمن حيث عملت، كنت قد تمكنت من العثور على أشخاص استطعت التكلم معهم وكانوا يتقبلون دوري كصحافي. أما في سوريا، فإنه من الصعب العثور على قناة اتصال أو شخص يمكنه تقبّلك كصحفي".

يذكر "غيث" بأن منظمة مراسلون بلا حدود Reporters Without Borders، كانت قد وضعت جماعات تتبع لتنظيم القاعدة، مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة ومجموعات جهادية أخرى على قائمة "مفترسي الحريات الصحافية". بالحقيقة، إن هذه الجماعات مسؤولة بالمقام الأول عن الزيادة الأخيرة في عمليات الخطف.

وقالت مولّي كلارك Molly Clarke، مسؤولة الاتصالات في روري بيك ترست The Rory Peck Trust، وهي منظمة تقوم بتوفير مواد للصحافيين المستقلين، إن الوضع في سوريا أصبح "معقداً" للغاية. وأضافت كلارك بأنها بدأت بمراقبة الوضع منذ بدء الحراك في سوريا، مشيرة بأنه منذ شهر مايو 2013، زادت عمليات الخطف بشكل ملحوظ، خاصة في المناطق التي يسيطر عليها الثوار.

"يتعيّن عليك ليس فقط تفادي قاذفات وقنّاصي النظام، ولكنك أيضاً تواجه خطر الاختطاف من قبل مختلف قوى الثوار ولا تعرف من يمكنك الوثوق به بعد الآن"، تقول كلارك قبل أن تضيف: "لقد سمعت اتهامات حول بعض الوسطاء الذين يقومون ببيعك. هناك أزمة ثقة تواجهك كصحافي مستقل لأنه لا يمكنك الاتّكال على صِلاتك".

عندما يتم اختطاف صحافي، فإن الخاطفين قد لا يعلمون بالضرورة أو يهتمون ما إذا كان الصحافي أجنبياً أم لا. يقول غيث عبد الأحد بأنه لا يرى أي فارق: "إن كان صحافياً محلياً أو غربياً، فإنه يبقى صحافياً. خلال الحرب في العراق، ربما كان هذا الأمر صحيحاً، أي أنه كان هناك فرق بين صحافي محلي وصحافي أجنبي، ولكن الآن فأنا لا أعتقد ذلك".

في معرض مقارنته بين حرب العراق والنزاع في سوريا، والذي راح ضحيته 150 صحافياً حتى الآن، قال منصور: "الصحافيون يقتلون بنفس الوتيرة التي رأيناها خلال حرب العراق". ويتوقع أنه إذا ما استمرت الحرب السورية لمدة تماثل مدة حرب العراق، فإننا سنرى أرقاماً مرعبة على نحو يحاكي ما رأيناه في حرب العراق أيضاً".

استناداً إلى أرقام لجنة حماية الصحافيين، هناك ما يقرب من 30 صحفياً محلياً وأجنبياً في عداد المفقودين في سوريا حالياً، حوالي 12 منهم أجانب يعملون لحسابهم الخاص وفقاً لروري بيك ترست. يذكر بأن العديد من هذه الحالات تخضع حالياً للتعتيم الإعلامي لتسهيل التواصل مع الخاطفين.

يوضح عبد الأحد، وكان قد تعرّض للاحتجاز في أفغانستان وليبيا، بأن التعتيم الإعلامي يؤمن فرصة الحصول على فترة أولية للقيام بمفاوضات مباشرة مع الخاطفين: "يمكنك إقناعهم ويمكنك محاولة إيجاد قناة اتصال. عندما تعلن عن عملية الاختطاف، فإنك تحد من الموارد الخاصة بك وسبل التواصل. على سبيل المثال في ليبيا، كان من المهم بالنسبة لصحيفة الغارديان أن تعلن على الملأ بأنني صحافي. المجموعة التي احتجزتني كان يمكنها الادعاء بأنني مقاتل أجنبي أو جاسوس، لذلك تحتاج إلى تكريس مصداقيتك كصحفي".  كما أكد عبد الأحد.

على سبيل المثال، في آخر حادثة، تم اختطاف رئيس مكتب الموندو El Mundo خافيير اسبينوزا Javier Espinosa والمصور المستقل ريكاردو غارسيا فيلانوفا Ricardo Garcia Vilanova عند نقطة تفتيش بالقرب من تل أبيض شمال سوريا. بعد ثلاثة أشهر من الاختطاف، عقد مؤتمر صحافي يوم 10 ديسمبر 2013 في بيروت لإصدار نداء بإسم الرهائن. كان خافيير وريكاردو من بين الصحافيين الوحيدين الذين بقوا بعد سقوط حمص، حيث قاموا بتسليط الضوء على الأماكن المظلمة داخل سوريا، وهما من أكثر الصحافيين خبرة في سوريا.

كان عبد الأحد متواجداً في المؤتمر الصحافي للتحدث نيابة عن أسرهم، وحول المخاطر التي يواجهها الصحافيون داخل سوريا. انتظر مركز سكايز عدة أشهر بعد خطفهم من أجل تأمين وسيلة للاتصال. ولكن عندما لم ينجح، اتجهت عائلتا الصحافيين إلى الجمهور.

LEBANON-SYRIA-CONFLICT-KIDNAPPING

"لا تتعلق القضية هنا فقط بما يجري مع أناس موثوق بهم، فخافيير وريكاردو كانوا مع أشخاص موثوق بهم، وكانوا مع كتيبة، ولكنها لم تكن قادرة على توفير حماية كافية لهما"، كما قال عبد الأحد.

تحدث عمليات الخطف والقتل دون أي محاسبة، وكثيراً ما تجبر وسائل الإعلام الرئيسية على سحب صحافييها من الميدان والاعتماد على مراسلين مستقلين داخل سوريا. لا تكترث الحرب السورية بمن هو من ذوي الخبرة الصحافية أم لا. مع استمرار العنف ضد الصحافيين، تستمر الفظائع المرتكبة بحق المدنيين الأبرياء الذين يحتاجون إلى الصحافيين لنقل ما يحدث لهم إلى بقية العالم.

عندما سئل غيث عبد الأحد عما إذا كان يجب على الصحافيين الاستمرار في الذهاب إلى داخل سوريا، قال إن هذا الأمر خيار شخصي وإنه يستدعي الكثير من التأمل وموازنة الأمور: "للإجابة على هذا السؤال بصدق، أسأل: إذا كان سيتم اختطافك غداً، وعلى الأرجح هذا ما سيحدث فعلاً، فمن الذي يمكن أن يأتي ويعمل على إطلاقك؟ إذا كان لديك مصدر سري وسحري يمكن أن يأتي ليعمل على إطلاقك فافعلها ولا تتردّد".

نشرعلى الموقع في تاريخ 29/12/2013

التعليقات

المقال التالي